مراقبة للمدى الذي ستذهب إليه قوى 8 آذار هذا الأسبوع
حسابات سورية حيال واشنطن تحول دون تهديد الانتخابات
ينطوي التعرض للقضاء اللبناني ومطالبته بخطوات تنال من هيبته وصدقيته على اخطار كبيرة، خصوصا عشية الاستحقاق الانتخابي في 7 حزيران المقبل. فقوى 8 آذار التي سبق ان رفضت عام 2005 لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري بذريعة احتمال خضوعها للتسييس المسبق، ومطالبتها بان يتولى التحقيق القضاء اللبناني. ووجهت يومها بمنطق من قوى 14 آذار يقول بتعذر قيام القضاء اللبناني بمثل هذا التحقيق وتاليا اجراء اي محاكمة على اساسه خشية تعرضه للتأثيرات، لا بل للتهديدات، عادت لتثبت وجهة النظر هذه، اي ان اي قرار لا يعجبها سيعرض القضاء لأخطار كبيرة ما لم تكن هي التي تتحكّم في القرارات القضائية، كما تحكمت سلطة الوصاية السورية في الوضع القضائي ابان وجودها في لبنان ايام الرئيسين الياس الهراوي واميل لحود. والمس بالقضاء حاضراً، ان عبر استهداف قضاة او قرارات قضائية صادرة عنهم يثير مخاوف اضافية من احتمال فوز قوى 8 آذار بالاكثرية النيابية على القضاء كما على سائر القطاعات الاخرى سياسية او اقتصادية، علما ان بعض المراقبين بدأ يتساءل عما اذا كانت قوى 8 آذار تخشى نتائج الانتخابات، فتعمد الى افتعال حوادث بذريعة التطورات الاخيرة تعطل هذه الانتخابات، لإدراكها انها لن تنال الاكثرية فيها على رغم ادعائها العكس. كما ان استهداف القضاء على هذا النحو قد يكون مقدمة او ذريعة لتغييرات ستسعى قوى 8 آذار الى القيام بها على الصعيد القضائي في حال فوزها بالاكثرية النيابية. لكن إقدامها على خطوات تهديدية في الشارع او سوى ذلك راهنا يعزز التساؤل عن صحة امكانات هذا الفوز تماما كما هو تعرّض مناصرين لهذه القوى لأحد المرشحين الشيعة البارزين في الجنوب والذي يظهر مخاوف غير متوقعة من جانب هذه القوى كما يراها كثيرون على شعبيتها وعلى امكان اختراق لوائحها في الجنوب او على ظهور نواة معارضة لها هناك في اسوأ الاحوال، ولذلك يتم ترهيب هذا المرشح ومناصريه.
هذه التطورات تبدو قيد المراقبة الدقيقة مطلع هذا الاسبوع في ضوء تقويم اداء "حزب الله" والمدى الذي يمكن ان يذهب اليه في استهداف القضاء، خصوصا في حال حصول تحرك في الشارع او ما شابه باعتبار ان الحزب هو الاساس او الخلفية التي يستند اليها حلفاء سوريا الذين نشطوا اخيرا بناء على هذه الخلفية لإسماع اصواتهم واعادة ابراز وجودهم السياسي والاعلامي. فحتى الآن يقوم هؤلاء جميعاً بأدوار لا تظهر من خلالها سوريا في الواجهة، ولو ان اعلامها الرسمي يعبر عنها ويظهر دعمها وربما ضلوعها في التشجيع على هذه التحركات. الا ان اي خطوة ابعد من ذلك تهدد القضاء او تتهدد حصول الانتخابات في موعدها ستشكّل خطا احمر في رأي هؤلاء المراقبين، مما سيعيد طرح الاسئلة عن مدى تورط سوريا مجددا في الداخل اللبناني ودخولها على الخط مباشرة للتأثير في الوضع الداخلي اذا شعرت بأن حلفاءها لن يفوزوا بالاكثرية النيابية التي تطمح الى الحصول عليها باقرار جميع المراقبين الديبلوماسيين في الداخل والخارج معا، عبر تحالف قوى 8 آذار، او شعورا منها بان المجال قد يكون متاحا لها لتكريس حضورها وعودتها، وان غير الرسمية الى لبنان عبر حلفائها. ففي النهاية يخوض هؤلاء حربهم ضد المحكمة الدولية دفاعاً عن سوريا في الدرجة الاولى. وهذا امر يستبعد بعض المراقبين ان تشجع عليه سوريا في هذه المرحلة، اي المس بالقضاء او تهديد حصول الانتخابات النيابية، لإدراكها انها لا تزال تحت الرقابة الشديدة، وان الانفتاح الاميركي عليها لا يزال محكوما باعتبارات ليس من السهل عليها اطاحتها، على الاقل قبل موعد الانتخابات النيابية، وهي توّاقة على نحو غير مسبوق الى ان تعيد واشنطن تعيين سفير جديد لها في سوريا، وان تستكمل الادارة الجديدة الحوار الذي بدأته معها قبل شهرين لاعتبارات كثيرة. ومع ان احتمال تشجيعها على ذلك غير مستبعد وفق ما يتخوف البعض من اجل فرض امر واقع مشابه لذلك الذي فرضه اجتياح 7 ايار الماضي، اي الحصول على الثلث المعطل، و من اجل احداث تغيير اضافي في المعادلة الداخلية، فان دون ذلك هذه المرة كما يرى المراقبون المعنيون اخطاراً كبرى اكثر بكثير من الماضي، ليس اقلها ان الطوائف معبأة نفسيا الى اقصى الحدود، واي تحرك في غير محله ربما ادى الى ما لا تحمد عقباه. وقد كان بروز بعض الرموز السياسيين من الحقبة الماضية كافيا لاعادة اثارة الحساسيات، ليس الطوائفية والمذهبية فحسب، بل ايضا ضد سوريا بعدما كانت الخواطر قد هدأت عبر اقرار الخطوات باقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين ثم عبر خطوات المصالحة الشكلية التي اعيدت بينها وبين المملكة العربية السعودية.
ويعتقد هؤلاء المراقبون ان "حزب الله" استخدم من جهته ورقة الضباط ووظفها ويستمر في توظيفها لغايات مختلفة، لكنه لن يخاطر في اعطاء الانطباع انه سيطيح الانتخابات النيابية او انه في وارد تهديد القضاء ايا تكن الحملات التي يتابع مسؤولون فيه استهداف القضاء من خلالها، فيما هو يسعى عبر بعض كبار مسؤوليه الى طمأنة الاقربين والابعدين وخصوصا الخارج الذي يطمح الحزب الى التطبيع معه، الى انه حريص على المؤسسات وعلى بناء الدولة وان لا دواعي للمخاوف على الوضع في لبنان على كل المستويات السياسية والاقتصادية في حال فوزه بالاكثرية النيابية. لكن الايام القليلة المقبلة كفيلة بتبيّن صحة الحكم على هذه التوجهات.