إطلاق الضباط الأربعة بداية مرحلة وليس نهاية مرحلة
متى يصدر القرار الاتهامي كي تبدأ جلسات المحاكمة ؟
الاسئلة التي تطرح وتختلف الاجوبة عنها لأسباب شتى هي: ماذا بعد اطلاق الضباط الاربعة ولماذا تم اطلاقهم بعد توقيفهم ما يقارب الاربع سنوات، وفي هذا الوقت بالذات. هل ثمة مسوغ قانوني ام خطأ ام اجتهاد، ام اعتبارات سياسية قضت بذلك؟
ثمة من يقول ان توقيف الضباط الاربعة تم بموجب القانون اللبناني الذي يسمح باستمرار توقيفهم الى ان تزول الاسباب التي قضت بذلك، وقد تم اطلاقهم بموجب القانون الدولي بعد تعذر الحصول على الادلة التي تدينهم او تجعلهم حتى مشتبه فيهم.
وثمة من يقول ان المحكمة ذات الطابع الدولي ارادت من خلال اطلاقهم ليس تطبيقا للقانون فحسب، بل لكي تثبت للمشككين في استقلاليتها وصدقيتها انها محكمة تعمل بموجب القانون وبروح العدالة وليس لاعتبارات سياسية قد تخضع لها او مداخلات تسيرها، حتى اذا ما صدرت الاحكام في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه تكون احكاما عادلة لا تشكيك فيها من اي جهة.
وثمة من يقول ان اطلاق الضباط الاربعة قد يكون خطوة على طريق الدخول في تسوية سياسية مع الجهة او الجهات المعنية بالجريمة تتم على حساب الحقيقة والعدالة وهو ما حصل في حادث طائرة لوكربي مع النظام الليبي، وليس مستبعدا ان يحصل الشيء نفسه مع الرئيس السوداني عمر البشير، خصوصا بعدما وصف الدكتور نافع علي نافع مساعد الرئيس السوداني المحادثات الثلاثية مع وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ووزير الدولة في الخارجية البريطانية مالوك براون والثنائية مع كلود غيان الامين العام لقصر الاليزيه وبرونو جوبير مستشار الرئيس ساركوزي للشؤون الافريقية وكبار موظفي الخارجية من جهة ومع الجانب البريطاني من جهة اخرى، بانها كانت محادثات طيبة ومفيدة، اذ انها "فتحت كوة في الجدار بالتركيز على ضرورة التوصل الى سلام حقيقي وشامل في دارفور وبعدها سنرى"… هذا الكلام يعني وفق مصادر مطلعة بمفهوم السياسة الواقعية والبراغماتية وبرأي الدكتور نافع انه يجب التركيز على قضية السلام في دارفور وهذا يمكن ان يكون مخرجا لقضية المحكمة الجنائية الدولية. فاذا تمت مقايضة تحقيق السلام في دارفور، بوقف ملاحقة الرئيس السوداني عمر البشير من جانب هذه المحكمة، لارتكابه مجازر بشرية، فهل يمكن ان يحصل الشيء نفسه في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، وما هو الثمن السياسي المطلوب ان تدفعه الجهة او الجهات المعنية كي تبقى الحقيقة غير معروفة بالنسبة الى المسؤولين عن ارتكاب الجريمة، واذا عرفت فقد يعرف المنفذون فقط وليس المدبرون والمخططون، وهو ما حصل في جرائم كثيرة مماثلة، اذ ان مرتكبيها ظلوا مجهولين وان كانوا معروفين لدى الناس.
لكن المدعي العام للمحكمة دانيال بلمار اكد بعد اطلاق الضباط الاربعة ان التحقيق لا يزال مستمرا وانه لا يتناول الضباط الاربعة فقط بل "اوسع منهم بكثير"، وقالت راضية عاشوري الناطقة باسم بلمار في حديث صحافي ان المدعي العام لا يزال متمسكا بالذي قاله منذ مدة بانه "لن يقدم اي لائحة اتهام الا عندما يقتنع تماما بان لديه ما يكفي من الادلة والوقائع".
وكان رئيس المحكمة القاضي الايطالي انطونيو كاسيزي قد اعلن في حديث له انه سيزور لبنان في منتصف شهر ايار (الحالي) وسيجول على كل من سوريا والاردن ومصر وتركيا وايران ليحثها على توقيع اتفاقات تعاون قضائي مع المحكمة لتتمكن من الاستماع الى الشهود واستجواب المشتبه فيهم وتسليمهم بطريقة تراعي سيادة هذه الدول"، وان اتفاقا مماثلا سوف يتم ابرامه مع دول يعيش فيها كثير من اللبنانيين ومن بينها فرنسا والبرازيل واوستراليا وفنزويلا، وقال: ان المعارضة في لبنان ستدرك "اننا نقوم بعمل جدي ولا نقول بألعاب سياسية ولا نقبل اي تدخل سياسي".
ولفت القاضي اللبناني رالف رياشي نائب رئيس المحكمة ذات الطابع الدولي في حديث له ايضا الى "انه يجب عدم بنيان نتائج قانونية على اخلاء سبيل احد المشتبه فيهم المحتجزين او على توقيفه، لان هناك اشخاصا يتم اخلاء سبيلهم ويتبين تورطهم لاحقا وهناك اشخاص يتم توقيفهم ثم تظهر براءتهم لاحقا".
وكانت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون قد اعلنت خلال زيارتها المفاجئة والخاطفة للبنان "التزام بلادها المحكمة وتقديم الدعم الكامل لها من اجل وضع حد نهائي لحقبة عدم المعاقبة لاغتيالات سياسية في لبنان وللاعلان ان المحكمة لن تستخدم كورقة مساومة. وقد يكون هذا ما جعل رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري يعتبر "ان اطلاق الضباط خطوة في مسيرة العدالة وان لا خوف على مصير المحكمة وان العدالة لا تضيع وسيكون المجرمون وراء القضبان".
اما ماذا بعد اطلاق الضباط الاربعة، فالجواب عند اوساط سياسية ورسمية وشعبية متابعة هو: انتظار استكمال التحقيق لمعرفة نتائجه في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه توصلا الى وضع القرار الاتهامي واعلانه، اذ لا محاكمة بدون متهمين وبدون قرار اتهامي مهما طال الوقت. فالمدعي العام في المحكمة دانيال بلمار اكد اكثر من مرة انه لن يقدم لائحة اتهام الا عندما يقتنع تماما بان لديه ما يكفي من الادلة والوقائع. فهل يتمكن بنتائج التحقيقات التي مضت عليها اكثر من اربع سنوات من الحصول على هذه الادلة والوقائع كي يضع قراره الاتهامي، والى متى يستطيع الحصول عليها؟
وترى الاوساط نفسها ان اول خطوة مهمة في مسار المحكمة ذات الطابع الدولي هي عند صدور القرار الاتهامي كي تباشر المحكمة جلسات المحاكمة في ضوئه. فهل يصدر هذا القرار ومتى؟ وما العمل اذا لم تنته التحقيقات بالحصول على الادلة والوقائع التي تعطي للقرار اهميته في وصف الجريمة منذ التحضير والاعداد لها الى حين تنفيذها، خصوصا بعدما جاء في التقارير الاخيرة للمحققين انهم باتوا يملكون معلومات وافية عن كل ذلك بما فيها السيارة المفخخة ومن كان يقودها ومن الممول ومن المشارك والمتورط.
لذلك فان اطلاق الضباط الاربعة ليس نهاية مرحلة بل بداية مرحلة قد تقصر او تطول كي يصح عندئذ معرفة متى تبدأ المحاكمات او تبقى محكمة بلا محاكمات، الى اجل غير معروف، اما لأسباب تقنية تتصل بالتحقيق المعقد او لأسباب سياسية لها علاقة بعقد صفقة ما.