قراءة قانونية لقرار فرانسين ومطالعة بلمار حول الجنرالات الأربعة
قرينة البراءة لم تخرجهم من دائرة الشبهة "الأنغلوساكسونية"
منذ أن أنهت المحكمة الخاصة بلبنان تدابير احتجاز الجنرالات الأربعة الذين لاحقتهم السلطات القضائية اللبنانية بشبهة الإشتراك في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وأوقفتهم بناء للقوانين اللبنانية وتوصية لجنة التحقيق الدولية المستقلة، إزدحم الفضاء اللبناني بـ"أي كلام"، وفق ما وصفته أوساط حقوقية لها باع طويل في المحاكم الجنائية الدولية.
وكانت هذه الأوساط تتحدث عن تفسير عبارة "براءة" التي يتم استعمالها في لبنان بعد إنهاء تدابير الإحتجاز، وعما يحاول البعض بنيانه على هذه العبارة من معطيات و… حقوق.
وقالت هذه الأوساط إن الجنرالات الأربعة، وفق فلسفة القانون، كانوا أبرياء حين أوقفوا في لبنان، ولكانوا كذلك حتى لو صدر قرار اتهام بحقهم، لا بل حتى لو صدر بحقهم حكم غير مبرم يقبل الإستئناف. إلا أن تمتع هؤلاء بقرينة البراءة لا يعني مطلقا أن لا صلة لهم، بطريقة أو بأخرى بالتحقيق الجاري في الجريمة التي لوحقوا بها في لبنان ويلاحقون بها في هولندا، حيث مقر المحكمة الخاصة بلبنان.
وأشارت هذه الأوساط إلى أن ما يجري في لبنان حاليا لا يمكن اعتباره سوى تشويه متعمد للقرار الذي صدر عن قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين.
وتشرح أن هذا التشويه، يقوم على إنحرافات عدة أبرزها الآتي:
أولا، تحويل قرينة البراءة الى ممحاة لحقوق الضحية.
ثانيا، الإستفادة من "رحمة" النظام القانوني الأنغلوساكسوني (كومون لو) في التعاطي مع الأشخاص الخاضعين للتحقيق، وتفسيره بموجب النظام القانوني اللاتيني (المتبع في لبنان وفرنسا وألمانيا) الذي يتعاطى بقسوة مع الخاضعين للتحقيق، سواء لجهة مدة التوقيف الإحتياطي الطويلة نسبيا في قضايا الإرهاب أم لجهة التوصيفات. ففي حين تحضر، بقوة، تعابير"المشتبه به" و"المدعى عليه" في النظام القانوني اللاتيني، فإن عبارة "المدعي عليه" تغيب كليا عن القانون الأنغلوساكسوني ولا تحضر عبارة "المشتبه به" إلا في ظروف محكومة بمهل ضيّقة تفصل الإشتباه والتوقيف عن الإتهام والمحاكمة.
بناء عليه، ما هي الوضعية القانونية الدقيقة لهؤلاء الجنرالات المفرج عنهم؟
تجيب الأوساط الحقوقية التي لها باع طويل في المحاكم الجنائية الدولية، أن هؤلاء، وفق قرار فرانسين المبني على مطالعة (طلب) النائب العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان دانيال بلمار، هم أشخاص قيد التحقيق، وهم بمتناوله، ولا يتمتعون بالحقوق التي ينالها من خرجوا بحكم براءة أو بقرار كف التعقبات، ولذلك طلب بلمار ووافق فرانسين على أن القرار الصادر بالإفراج عنهم "لا ينهي حق المدعي العام باتخاذ الإجراء الملائم بحق أي شخص، والتحقيق جار" (الفقرة الثالثة والعشرون من قرار فرانسين).
وفي هذا السياق تلقي الضوء على ما جاء في البيان الإعلامي الذي وزعه بلمار بعد صدور قرار فرانسين، بحيث قال بالحرف: "على الناس أن يدركوا أنه عندما يعيدنا أي مسار من مسارات التحقيق مجددا الى الضباط الأربعة، مع أدلة موثوقة بما فيه الكفاية، فسوف أطلب توقيفهم واتهامهم".
وتفيد بأنه معلوم في النظام القانوني الفرانكوفوني أن "إعلان براءة" متهم بعد انتهاء محاكمته أو "كف التعقبات" بحقه بعد انتهاء التحقيق، يعطيه حقوقا ثابتة أهمها عدم قدرة النائب العام على ملاحقته مجددا في الجرم نفسه.
وتشير هذه الأوساط إلى أن ادعاء البعض بأن كل شخص يمكن أن تنطبق عليه مواصفات "قيد التحقيق" ليس دقيقا على الإطلاق، وليس أدل على ذلك من أن فرانسين وبناء على طلب بلمار أعرب عن عنايته بأمن هؤلاء الأربعة المفرج عنهم، وأمر السلطات اللبنانية بتوفير الحماية اللازمة لهم، وهذا ما لا يمكن أن يفعله إلا في حال كان التحقيق معنيا بشخص محدد ويعتبر أنه جزء لا يتجزأ من عملية التحقيق المفتوحة على مصراعيها، والتي يمكن أن تتطلب، في مرحلة لاحقة في حال توصل المدعي العام الى أدلة قانوينة تتطابق مع معايير المحكمة الخاصة بلبنان، استدعاء هؤلاء جميعهم أو بعضهم ليمثلوا أمام المحاكمة بصفة متهمين.
وتلفت هذه الاوساط العناية إلى أن فرانسين، وفي سياق استعراض موقف بلمار، شدد على "ظرف الزمان" فهو لم يقل إن المدعي العام لا ينوي توجيه تهمة الى هؤلاء المفرج عنهم، بل قال إنه لا ينوي فعل ذلك "في الوقت الحاضر" (الفقرتان الثالثة والثلاثون والتاسعة والثلاثون من قرار فرانسين، وكما في متن بيان بلمار الإعلامي).
وتقول إن استعمال عبارة "في الوقت الحاضر" يفترض ألا تمر مرور الكرام، لأنه في القرارات القضائية كل كلمة لها حسابها ومعانيها وأبعادها وتداعياتها.
وتفيد أن من يعيد قراءة مطالعة بلمار وقرار فرانسين يتأكد من حقيقة ساطعة مفادها أن الإفراج عن الجنرالات الأربعة ليس مرتبطا بما لم يفعلوه، بل هو مرتبط بوجود "إرباكات" في الملف لجهة متانة الأدلة من جهة أولى، وبإجراءات المحكمة التي تجعل التوقيف الإحتياطي متصلا إتصالا وثيقا بالإستعداد لتوجيه الإتهام من جهة ثانية، وبتغيير تكتيكات التحقيق، من جهة ثالثة.
ما المقصود بتغيير تكتيكات التحقيق؟
في مطالعة بلمار كما في بيانه الإعلامي يبدو واضحا أن مكتب المدعي العام لم يغيّر مسار التحقيق، كما يحاول البعض تلبيس براءة لما يسمى النظام الأمني اللبناني السوري بفعل إطلاق سراح جنرالاته الأربعة، بل هو عمليا غيّر تكتيكات التحقيق، بحيث أشار الى أن التحقيق الجاري هو أكبر من ملف الجنرالات، كما يتوهم البعض.
وهذا الموقف يتطابق مع معطيات الملف المعلنة في تقارير لجنة التحقيق الدولية التي سبق لها وأشارت الى ان الجنرالات الأربعة يشتبه بأنهم جزء من المستوى الوسطي في تركيبة الجريمة، بحيث هناك المستوى الأعلى، أي من حيث جاء الأمر، والمستوى المنخفض، من حيث جرى التنفيذ.
وهنا لا بد من الإنتباه الى إعلان بلمار أنه يقدم مطالعته للبحث في مسألة واحدة وهي استمرار توقيف الضباط الأربعة، ما تعني أنه لا يبحث في وضعيتهم الشاملة في الملف، ولهذا السبب هو لم يناقش مجموعة أمور سبق ونسبت إليهم، أقلها العبث بمسرح الجريمة، واعتماد أحمد أبو عدس قاتلا للرئيس الحريري من دون أدنى جهد تحقيقي مما بعثر الأدلة عن الجهة التي تقف وراءه، واختراع الحجاج الأستراليين الستة، وخلاف ذلك من عشرات المعطيات والشبهات بما فيها التبعية الكاملة للنظام السوري التي جعلت من اللواء جميل السيد معادلة أقوى من كل المعادلات السياسية الداخلية (وهذا ما اعترف به في مقابلة تلفزيونية أخيرة معه، بحيث قال إنه استقوى بسوريا لينجح في الأمن العام!).
وبهذا المعنى، فإن الأدلة التي لدى بلمار حاليا، وهي التي سلم بها فرانسين، غير كافية "في الوقت الراهن" وفق المعايير النموذجية المتبعة في هذه المحكمة، لربط الضباط الأربعة أو ربط بعضهم بالمستويين الأعلى والمنخفض، ولذلك فالعمل التحقيقي يركز على مستويات أخرى سبق لبلمار في الاول من آذار الماضي أن أعلن أنها سوف تستغرق أقله حتى بداية السنة المقبلة، أي سوف تستغرق مدة تفوق الأشهر الثمانية على أقل حد، في حين ان نظام المحكمة لا يسمح بالتوقيف لأكثر من شهر يمكن تمديده لمرتين، كحد أقصى.