#adsense

ليست ذكرى… إنها واقع

حجم الخط

ليست ذكرى… إنها واقع

تفرض الذكرى الاولى لـ"غزوة 7 أيار" 2008 نفسها على الحياة السياسية. وكل التوصيات تحت الطاولة بطمسها، والاتفاقات على محاولة محوها من الذاكرة تذهب هباء. فما حدث في ذلك اليوم المشؤوم ليس جريمة في حق اللبنانيين انتهت مفاعيلها بـ"اتفاق الدوحة"، بل غلطة على وصف تاليران، تبقى نتائجها تجرجر عبر الايام، وتذكر بها، فلا يطويها النسيان ولا يلتئم جرحها.

لم تكن المشكلة يومها في ان رهطاً من المرتدين عن مواجهة اسرائيل الى الداخل اذلَّ سلاح المقاومة بتوجيهه الى من حماه وسيّجه بالرعاية الوطنية الجامعة، بل في انكشاف المجتمع اللبناني على حقيقة ان جنون عظمة السلاح أرجح في الفعل من ادعاء العقلانية، وان الشعور بفائض القوة يغري باستباحة السلم الاهلي، ونقض الوعود بالحرص على الاستقلال الوطني.

تقول "غزوة 7 أيار"، ان الطرف الذي احتكر مقاومة الاحتلال الاسرائيلي بقوة نظام الوصاية، وتبعاً لاستراتيجيته، يريد ثمناً داخلياً لـ "وزنه" المستجد يفوق ما يستطيع التوازن الداخلي تحمله. ولأن هذا التوازن يستمر عصياً على قبول الاخلال به، على رغم الايهام الفاشل بلا وحدانية لون المعتدي، الجغرافي والطائفي، عبر "وثيقة مار مخايل" الشهيرة، لم يكن أمامه بد من محاولة فرض ذلك بالقوة المسلحة.

لكن المحاولة أفضت الى خلل طارئ، أمنته تسوية الدوحة المضبوطة فعالية وزمناً: ثلث معطل ينتهي بالانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل.
اليوم تتجدد المواجهة بصورة أخرى وجذر واحد: 14 آذار تتمسك باتفاق الطائف، و"حزب الله" يريد نقضه بالثلث المعطل. وهو أمر ليس بمستجد، فهو قديم قدم الحزب الذي ترعرع في ظل ولاية الفقيه. وابدى امينه العام الحالي توجهه، قبل ان يدخل السلطة نيابياً قبيل منتصف التسعينات، حين كان يؤكد في خطبه وبالنص ان اتفاق الطائف يجب أن يسقط لأنه "يعزز السيطرة المارونية" (راجع "النهار" 12 تشرين الثاني 1993)، نافيا ان يكون موقفه هذا التقاء مع الجنرال المنفي حينها ميشال عون والذي يصفه، في الخطاب نفسه، بأنه "اسرائيلية تدميرية لا يرى الا مصالحه الشخصية".

لم يعد عون "حالة اسرائيلية" عند "الحزب القائد"، وصار اسقاط الطائف هدفاً مشتركاً، من دون ان ينتبه المنفي السابق الى ما يراه حليفه الجديد من تعزيز لدور الموارنة السياسي في هذا الاتفاق.
عملياً، استمر 7 ايار بأهدافه السياسية نحو سنة، ولن يكون ممكناً تمديده، مهما عرضت 8 آذار من اغراءات في طليعتها ان تمنح، اذا صارت اكثرية نيابية، الثلث المعطل نفسه لـ"14 اذار".

واستمر 7 أيار بأهدافه الاستراتيجية نفسها، وأولها تهشيم الدولة التي بناها الطائف. فلم يكن السؤال مثلا عمن غدر بالضابط الطيار سامر حنا، بل كيف جرؤت قيادته على توجيه طوافته فوق سجد؟. قبله لم يكن السؤال عمن أذِنَ لفتيان الضاحية بالاعتداء على عين الرمانة وإطلاق النار على الآمنين ورشق ملالات الجيش، بل كان السؤال عمن "أذِنَ" للجيش بالدفاع عن نفسه. تماماً كما كان السؤال الغائب دائماً، عمن يشجع المعتدين على املاك الناس والدولة ان يبنوا مساكن ويشيدوا فيلات، ليحل مكانه سؤال عمن يسمح لقوى الامن بمنع هذه الاعتداءات، ومن أوكل لها ضبط المخالفات.

ليس بعيدا عن هذه الاستراتيجية ما كان من حصار للسرايا الحكومية ورئيس مجلس الوزراء ، كما ليس بعيدا عنها تعطيل انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية 19 جلسة نيابية برغم إدعاء تأييده .

ولا يبعد عن هذه الاستراتيجية في تهشيم الدولة وهجمة على القضاء بزعم "مظلومية" الضباط الاربعة (لاحظ الإيحاء الديني في استخدام الكلمة)، وكأن لا علاقة لهم بالأيدي السود التي طبعها نظام الوصاية على الحريات أكثر من ثلاثين عاماً، والتي لا تزال مطاردة الزميل الشهيد سمير قصير أشهر شواهدها.

مؤدى هذه الاستراتيجية يلخصه شعار فاضح رفع في اجواء المشاحنة الانتخابية: "الثالثة ثابتة". والمقصود احلال الجمهورية الثالثة محل "جمهورية الطائف" التي كرست المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بعد سقوط صيغة 1943، وما عرف بـ"معادلة 6 – 5".
ما يبطنه الشعار ليس البحث عن الجمهورية الثالثة بل عن "جمهورية المثالثة"، التي يطرحها "الحزب القائد" في السر، ويتشدق حليفه بها في العلن من دون أن يتبصر في مؤداها من ثمن سيدفعه المسيحيون من ضمانات أمنها لهم اتفاق الطائف بلا منة ولم يجعل منهم أهل ذمة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل