المشروع التعطيلي لـ 8 آذار يستفيد من واقع تعطيلي ـ انكماشي شامل على الصعيدين الإقليمي والدولي
احتواء "الشخص".. أو الشرط اللازم للانتخابات
يستفيد المشروع التعطيليّ لقوى 8 آذار في لبنان ممّا يمكن الإصطلاح على تسميته "الواقع التعطيليّ الشامل" على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ: من تعطّل عملية السلام في الشرق الأوسط، إلى تعطّل الأشكال الدنيا للتداول على السلطة في العالم العربيّ، إلى تعطّل الموجة الأخيرة من التوسّع الديموقراطيّ بإتجاه الشرق، إلى تعطّل القدرة التقريريّة للسلطات التنفيذية في الديموقراطيّات الغربية، إلى تعطّل القدرة على المكاشفة والمصارحة داخل المجتمعات الغربية تجاه الأخطار الثقافية الأمنية التي تنخرها من الداخل، إلى تعطّل الحملة الغربية على الإرهاب، وإنتقال هذه الحملة من تهديد الأنظمة الآوية للظاهرة الإرهابية إلى إطلاق مبادرات هادفة إلى احتواء متعدّد الجنسيات لهذه الظاهرة، أو إحتواء الأنظمة الآوية لها. وتضاف فوق كلّ ذلك النتائج المزلزلة لأزمة الرهن العقاريّ، التي ما زالت تداعياتها تظهر تباعاً، والتي تعالج حتى الآن بتعطيل جزئيّ لحريّة الملاحة المالية والأسواق، ما قد يؤدّي بدوره إلى مضاعفات خطيرة، وباستثناء بعض الشعارات ليس هناك ما يبرّر حقيقة إعمال المقارنة بين الرئيسين باراك أوباما وفرانكلين روزفلت.
كان السياق مختلفاً وإلى حدّ بعيد قبل أربع سنوات، يوم انقسم اللبنانيّون بين 8 و14 آذار. كان للتفاؤل الإستقلاليّ سياق كونيّ شامل يسنده. حتى أخصام الإستقلال الثانيّ كانوا يتقبّلون، بشكل أو بآخر، فكرة أن 14 آذار أقرب إلى "روح العصر" من 8 آذار.
فهل يمكن إفتراض العكس راهناً؟ هل يمكن أن يشعر أحدٌ سواء في 8 أو في 14 آذار اليوم أن "روح العصر" صارت أقرب إلى 8 آذار منها إلى 14؟ الحقيقة أنّ أحداً، إن في 8 أو في 14، لا يستطيع قول ذلك. ما زالت 14 آذار هي الأقرب إلى "روح العصر" من 8 آذار، إلا أن "روح العصر" عالقة في قالب تعطيليّ يأسرها، ويكاد أحياناً يعتصرها.
وهذا يعني أن إستفادة منظومة الممانعة الإقليمية عموماً، وقوى 8 آذار تحديداً، من "الواقع التعطيليّ الشامل" الذي يشكل سمة مشهدية للعالم اليوم، تبقى استفادة محدودة.
صحيح أنّ انكفاء أميركا والغرب من سياسة "التدخّل" إلى سياسة "الإحتواء" يكشف عن أزمة تعتمل في أميركا والغرب، إلا أنّه ينبغي ألا ينسى أحدّ أنّ الغرب كسب، وتحت قيادة أميركا، الحرب الباردة، على قاعدة سياسة "إحتواء" الإتحاد السوفياتيّ وليس على قاعدة "التدخّل"، وأنّ الإقلاع بشكل استراتيجيّ عن استراتيجية "التدخّل" بعد الإنسحاب من فيتنام هو الذي مهّد للسقوط المدويّ للمنظومة الشيوعيّة بعد أقلّ من عقدين.
وفي المقابل فإن "إحتواء" قطب واحد هو الإتحاد السوفياتيّ شيء، و"إحتواء" جملة ممانعات لا عدّ أو حصر لها على صعيد الكوكب شيء مختلف تماماً.
لكن في النهاية ثمّة خيارات ثلاثة أمام الأنظمة والقوى والظواهر التي يقوم الغرب تحت قيادة الولايات المتحدة اليوم بمحاولة استراتيجية لإحتوائها: فإمّا أن تؤدّي سياسة الإحتواء إلى إنتقال هذه الأنظمة والقوى والظواهر من عقلية إلى أخرى ومن موقع إلى نقيضه، وإما أن تؤدّي هذه السياسة إلى إفراز بدائل جدية لهذه الأنظمة والقوى والظواهر، ومن داخلها أو على تخومها أو في مجابهتها، وإمّا أن تندفع بعض هذه الأنظمة والقوى والظواهر إلى الهجوم، على إعتبار أنّ إعتماد الغرب سياسة الإحتواء هو تعبير عن ضعف فيه، وأنّ خير وسيلة للإستفادة من هذا الضعف هي مهاجمة سياسة الإحتواء نفسها.
من ضمن المنظومة الإقليمية للممانعة، ستجد قوى 8 آذار نفسها أمام وجوب تفضيل خيار على آخر. هي حتى الآن لم تقل بعد كلمتها الأخيرة، إلا أنّها مهّدت لذلك بأن أكّدت لا سيّما في الأسابيع الأخيرة، أنّها مستعدة تماماً لتكون البادئة في مهاجمة سياسة الإحتواء نفسها، ودائماً بالوكالة عن المصادر الإقليمية الموجّهة للممانعة.
ويأتي هذا الإستعداد الأمنيّ العام لـ 8 آذار للمبادرة إلى مهاجمة سياسة الإحتواء عشية الإنتخابات النيابية. وعلى هامش هذا الإستعداد الأمنيّ، يبرز "الشخص" أو هكذا أسماه سمير قصير قبل أسابيع من استشهاده. يحلم هذا الشخص بتجاوز "ثنائية 8 و14 آذار"، على الطريقة البونابرتية الأمنية، ويضع كل أمله في تجاوز الإستحقاق الإنتخابي نفسه، أو بمعنى آخر فرطه.
فهذا "الشخص" لم تتح له ظروفه حريّة الترشّح للإنتخابات، إلا أنّ الظرف الحاليّ يتيح له على الأقل الإسترسال في حلم طموح جدّاً وخطير خطير: فإذا ما أطيح بالإنتخابات استبدّ "الشخص" بكثيرين، وإذا ما قدّر للإنتخابات أن تحصل.. ضاع الشخص وانتهى.
فـ"الشخص" يروّج بأنّه أفضل شريك ممكن لسياسات "الإحتواء"، وكل من 14 آذار والقسم "غير الأمنيّ" في 8 آذار يعرف تماماً أن "إحتواء" الشخص صار هو الشرط الضروريّ لإجراء العملية الإنتخابية.