#adsense

“أكل راس”!

حجم الخط

"أكل راس"!

سيستمر صراخ حزب الله في الارتفاع، بل وسيزداد هذا الصراخ حدّة وعلّواً بعد اجتماع مجلس القضاء الأعلى اليوم، وعدم خضوع القضاء واللبنانيين لتهديدات الحزب خصوصاً أن تقنية "الفجور" هذه بات اللبنانيون يألفونها، وباتوا يعرفون أيضاً أن "كبير" حزب الله في هذه "المعمعة" 7 أيار جديد، ولكن هذه المرة ضد القضاء والقضاة اللبنانيين!! وبصرف النظر عن حاجة الحزب الدائمة إلى إعادة تصويب أو ترميم أو تعديل أو توضيح الأحاديث التي يسترسل أمينه العام في الإدلاء بها، منذ تصريح "لو كنت أعلم" حتى اعترافه ما قبل الأخير بالاعتداء على حدود وأمن وسيادة دولة عربية شقيقة – تحت أي مبرر ولأي سبب كان ـ فهذا الاعتراف ما قبل الأخير لم يستطع الأمين العام للحزب أن يُخفف من وطأة صدمة اعترافه وفي محاولته تظهير موقف الأمم المتحدة من الحزب بهذه القراءة التبسيطيّة!!

وللذاكرة فقط يشبه هذا الموقف ذاك الموقف الشهير في العام 2004 الذي خرج فيه فاروق الشرع وحزب الله من ورائه ليعتبرا أن القرار 1559 قراراً تافهاً، ودفعوا في ما بعد ثمن سياستهم الخاطئة في قراءة المعطيات الإقليمية للقرار 1559 خروجاً مدوياً من لبنان"، هذه المرة أيضاً هناك خطأ في قراءة نعومة المعطيات الإقليمية وهذا أمر ملحوظ بسبب ارتباكات حزب الله سواء على جبهة حليفيه إيران وسورية، أو جبهة العدو الإسرائيلي!!

في حديثه الأخير ارتكب أمين عام الحزب الخطأ نفسه في القراءة، ربما لدوافع الاعتداد بالقوة الداخلية التي يعرف أنها للحزب بمثابة "نقطة ضعفه، ومكمن مقتله"، فالحزب يستعدي يومياً ومنذ إطلاق الضباط الأربعة معظم الشعب اللبناني فيما هو يظن نفسه يستنفر جمهوره لمعركة ضد القضاء، ولكن!! ولكن ما أسرع ما سيكتشف الحزب أنه ورّط نفسه في معركة خاسرة، تماماً كيوم أخرج جمهوره إلى وسط العاصمة ونصب مضاربه في قلبها ظناً منه أن إسقاط الحكومة "نزهة"، وبعدها لم يعد يعرف كيف يخرج من هذا المغطس!!

والهفوة الثالثة، هي عندما يترك الحبل على غاربه في الاعتداء على المشاعر الدينية، فعندما يصل الأمر حد أن يخلع اللواء السابق جميل السيّد على نفسه مرتبة "القداسة" عبر اطلالاته "المضجرة" و"المستفزة"، والتي كان آخرها في بلدته النبي آيلا، ومن حق أهل قريته الاحتفال به،ولكن هذه "العنجهيّة" و"الصلف" الذي تمرّن اللبنانيون على احتماله من نواب حزب الله، فاجأهم أن جميل السيد يملك أضعافاً مضاعفة منه، فهو في "جوار الأنبياء" ـ جوار النبي آيلا وأنبياء آخرين ـ وهو أيضاً وبما أنه "السيّد" قال للجنة التحقيق الدولية:أن "جده الحسين"!! وأنه منفرداً واجه كالحسين جيوش الباطل!! مقارناً وضعه هذا بـ"انتصار" حرب تموز من وجهة نظر جمهور الحزب!!

طبعاً أمين عام حزب الله لم يستخدم يوماً خطاباً بهذا الوضوح والتماهي مع الإمام الحسين إلا "تورية" وخلال حرب تموز، وبالطبع اللبنانيون لا يستطيعون احتمال هذا الـ "أوفر دوز" من التبجح الممجوج، خصوصاً إذا كان المقصود به شد عصب الطائفة الشيعية بالعزف على وتر الإمام الحسين، فحزب الله بسماحه بهكذا خطاب يشدّ من حيث لا يعلم وتراً دقيقاً وخطيراً عند الطائفة السُنيّة المحبّة للإمام الحسين وأهل بيته والتي تأنف من التجرؤ على تشبّه كهذا به، ثم لأن وجدان الطائفة السُنيّة يختزن ما هو أكبر من ادّعاء شخص أن جدّه الحسين، لأن جدّ جدّه، هو جدّنا، وجدّ جدّه هو رسول الله صلوات الله عليه وفي حديثه النبوي الطاهر المطهّر قال: "أنا جدّ كل مؤمن"..

وبصرف النظر عن كل تحليلات أمين عام حزب الله ومطالعاته اللاقانونية واللاقضائية التي فردها وعرضها علينا ليقنعنا بأن إسرائيل هي المتهم وأي اتهام لا يفضي إلى هذا النتيجة فهو مسيّس وغير موثوق، وكل المطالعات التي سردها علينا هي مجرد قراءته ورأيه الشخصي ولا نص قضائي ولا قانوني تستند عليه، وربما التعاطي معها يكون فقط من زاوية الشأن السياسي الذي يطل من خلف هذه القراءة ناصباً الشراك والأفخاخ في طريق المحكمة الدولية للقضاء عليها،بل وذهب أبعد من هذا في فرض وجهة نظره على مدعي عام المحكمة والمستمر في مهامه كقاضٍ للتحقيق الدولي،هذا الاستنفار ضد القضاء اللبناني يكشف أهدافاً حقيقية يبتغي الحزب تحقيقها، فالتصويب على القضاة في لبنان هو "ترهيب" حقيقي للقضاة اللبنانيين في المحكمة الدولية!!

القضاء على القضاء، هو للقضاء على المحكمة، وتجاهل أمين عام الحزب ومن بعده، و"بببغائية معهوده" ميشال عون، أن المحقق الدولي سيرج براميرتس وضع في تقاريره عن التحقيق فرضيات عدّة لأسباب الجريمة، وأنه توصل إلى خلاصة في أحد تقاريره التي قدمها أمام مجلس الأمن، وهي أن أسباب الاغتيال سياسية ودافعها الأول "الانتخابات النيابية" في العام 2005!!

حزب الله من حيث يقصد أو لا يقصد يجرّ البلد إلى معركة مذهبية مخيفة، بل أكثر من مذهبية لأن شهداء ثورة الأرز توزعوا على أكثر من طائفة، فضابط الحزب المحتفى به، لن يكون مطلقاً مظلوماً بقدر الظلم المروع الذي وقع على الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، ولن يكون غالياً على قلوب اللبنانيين غلاوة الرئيس الحريري الحاضر أينما وجهنا وجهنا في لبنان، إذ يحضر في الذاكرة الطرية ذات السنوات الأربع سؤال سمير قصير الشهير – وبرواية الشهيد الموثقة – الذي واجه به تهديدات جميل السيد: "عسكر على مين"؟ ونحن نصدّق الشهيد الإنسان المثقف المفكّر الكاتب الراقي الشفاف الصادق سمير قصير حامل هموم بيروت ودمشق وفلسطين، أكثر بكثير مما نصدق ادعاءات جميل السيد بالأمن الممسوك!!
مَن يريد أن يُحاسب من؟ على القضاء اللبناني وبمعزل عن المحكمة الدولية أن يحاكم المسؤولين الأمنيين في فترة اغتيال الرئيس الحريري، لتقصيرهم في حمايته وفي واجباتهم الأمنية تجاه لبنان، "ولك مين بدّو يحاسب مين؟"!!

هذه الحدّة والعنف الذي يبديه حزب الله والتهديد المباشر للجسم القضائي اللبناني يحتاج أولاً إلى وقفة حاسمة من مجلس القضاء اللبناني بأن يتخذ صفة الادّعاء على المستقوين عليه،وأن يخضع المتطاولين على كبار القضاة للتحقيق،فما يراهن عليه حزب الله دائماً أن الآخرين من اللبنانيين يعتمدون سياسة الحكمة والتروي في مواجهة انزلاقاته وفوضويته وعشوائيته ولا مبالاته بالأمن والاستقرار في التعاطي مع كل شأن داخلي لبناني!!

شبع اللبنانيون استقواء، وعنترة، و"أكل راس"، في هذا البلد لا أحد يستطيع أن يأكل رأس أحد،ومن الجيد أن حزب الله وجد أخيراً ما يشغل به جمهوره عن مشروعه الانتخابي الذي لا يتضمن سوى عنوان واحد فقط لا غير، ولمشروع خارجي لا داخلي وبأجندة خارجية أيضاً: الموت ثم الموت ثم الموت حماية للمشروع النووي الإيراني!! أما إطلالات جميل السيد المتلاحقة وخطاباته المتوتره وتذكيره اللبنانيين بأمجاده وأمجاد النظام الأمني المشترك،فهي وحدها دعاية انتخابية مجانية لحشد جمهور 14 آذار وشد عزيمته قبل الانتخابات، خصوصاً أنها تتزامن مع ذكرى 7 أيار الأسود، يوم العار،على الذين اجتاحوا بيروت وأحرقوها وانتهكوا حرماتها، بعدما "ربّوا" الجيش في حادثة الشياح فوقف يتفرّج على بيروت تحترق، وجلّ ما نتمناه أن يفتح له الحزب هواء قناة المنار 24/24 ساعة، وله جزيل الشكر على دعمه المجاني الفعال لحملة 14 آذار الانتخابية.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل