الغاية والوسيلة
إذاً، كانت المعارضة، والموالاة اتفقتا في الدوحة على طي صفحة سوداء في تاريخ لبنان، كادت تطيح بالدولة بكل مؤسساتها، وتضع الوطن في مهب ريح الحرب الاهلية التي كادت ان تقع في السابع من ايار المشؤوم، وتفتح صفحة جديدة لا نقول من الوفاق، وانما في تنظيم الخلاف السياسي بين الفريقين ضمن المؤسسات الدستورية واحترامها، وعدم تجاوزها والانقلاب عليها، فإن المشهد العام للوضع منذ اطلاق الضباط الاربعة بقرار من المحكمة الدوليةالخاصة بلبنان يعيد الى ذاكرة اللبنانيين المشهد نفسه الذي عاشوه قبل ويوم السابع من أيار، وكأن مفاعيل اتفاق الدوحة انتهت واستنفدت كل اهدافها، وعادت تهيمن على الساحة الداخلية لغة التهديد والوعيد، والتجريم والتخوين والغاء الآخر بأي وسيلة.
صحيح ان اطلاق سراح الضباط الاربعة لعدم كفاية الدليل ضدهم يستأهل الاحتفال بخروجهم من السجن، لكنه لا يبرر بأي حال من الاحوال ان تتحول هذه الاحتفالات الى مناسبة للنيل من القضاء اللبناني آخر حصون الديمقراطية والنظام، ولا ان يتحول الى مناسبة للعودة الى لغة التهديد والوعيد والغاء الآخر الذي لم يقصر في الترحيب بقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وتأكيد قبوله بكل ما يصدر عنها من احكام، لان الهدف من انشائها هو تبيان الحقيقة وتحقيق العدالة، وليس الانتقام ولا التشفي. فالذي تفعله المعارضة بذريعة تبرئة وبالأحرى الافراج عن الضباط الاربعة يتعدى في مضمونه ومنطلقاته مسألة التعبير عن الارتياح بعدالة المحكمة الدولية الى ذريعة للانقلاب على اتفاق الدوحة وادخال البلاد مرة جديدة في منزلق الحروب الاهلية او على الاقل في منزلق مخاطر الوقوع فيها او استخدام هذا المنزلق وسيلة للضغط على الفريق الآخر لاخراجه من المعادلة والاستئثار بالسلطة بمعزل عن ما ستؤول اليه نتائج الانتخابات النيابية.
واذا كنا مخطئين في مثل هذه الاستنتاجات ونأمل بكل صدق ان نكون كذلك، يتوجب على المعارضة وقف هذا المسلسل من التجريم والتجييش والتحريم والتهديد والوعيد ضد القضاء وضد خصومهم السياسيين وتترك الامور على طبيعتها الى حين صدور نتائج الانتخابات حتى اذا توفر لها الاكثرية النيابية بالوسائل الديمقراطية السلمية، البعيدة كل البعد عن كل اشكال التهديد باللجوء الى استخدام القوة كما هو واقع الحال الذي تمر به البلاد، تتولى ادارة دفة الحكم بدلاً من مواصلة السعي للاستيلاء عليه بالقوة.