الرئيس سليمان … والابواق المأجورة والحاقدة
يخطىء من يعتقد ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي وصل إلى سدة الرئاسة بالتوافق وبالاجماع لا دور له ولا صلاحية سوى الاستماع إلى هذا الفريق أو ذاك وهو ليس قادراً على شيء كما يحلو لبعض الابواق المأجورة ان توحي على مشارف الانتخابات النيابية .
هذا الرئيس الذي توافقت عليه دول عظمى وأخرى اقليمية لإنقاذ لبنان من يدي بعض الموتورين والمتخاصمين في لبنان والذين بلغوا حدّ الاقتتال ، لا يمكن إلاّ ان تكون تسميته بداية الحل والرئيس التي تخوّله هذه الثقة الدولية بلعب ليس دور الحكم وحامي الدستور فقط ، بل بدور الموّجه و المنبّه حتى يستقيم الوضع في لبنان بعد الفوضى التي ضربته من شماله إلى جنوبه .
الرئيس سليمان ليس في عزلة أبداً ، وهو ليس صورة في قصر بعبدا كما يتمنى البعض ان يكون ، بل هو رئيساً بكل ما للكلمة من معنى . واذا كان الافرقاء اللبنانيون توافقوا عليه بعد ان رحبت باسمه رئيساً معظم الدول الكبرى ، فلأن هؤلاء الافرقاء احتاجوا اليه، وهم من كان سيبقى من دون رئيس في خضم الفوضى القائمة ، خصوصاً وان الرئيس سليمان قال وقتذاك كلمته الشهيرة ( لا تتاجروا بإسمي فانا زاهد بالمنصب وسأعود إلى بيتي في حال بقيت الأمور على هذا النحو ) .
الرئيس سليمان ليس في عزلة ابداً ، واتفاق الدوحة كان الكلمة الفصل بين الافرقاء ، لا بل كانت الدوحة محطة لوقف الاقتتال ومنع الفتنة في بيروت .
ميشال سليمان لم يترك دولة معنية بالملف اللبناني إلاّ وزارها ومدّ جسور العلاقات مع رؤسائها وقادتها، وكانت لزياراته الأثر الفاعل في دعم الجيش اللبناني الذي استحوذ على أكثر من مساعدة لم يكن يحلم بها لبنان لولا جهوده المستمرة والدؤوبة ، وبعد ذلك لم يبق مسؤول دولي إلاّ وزار قصر بعبدا والتقى رئيس الجمهورية واعجب به وبرؤيته ونظرته السياسية ، خصوصاً ان الرئيس سليمان كان موضع ثقة ولم يكن طرفاً ، أو طالب بشيء خارج إطار مسؤولياته وصلاحياته.
الاسبوع الماضي زار الرئيس سليمان بريطانيا والتقى الملكة اليزابيت ، بما اعتبر خرقاً للأصول البروتوكولية التقليدية في بريطانيا ندر حصوله ، ورئيس الوزراء وكبار الشخصيات البريطانية والتقى ابناء الجالية اللبنانية الذي قال امامهم كلاماً كان على المشككين بقدرته على لعب دور حامي الدستور في الدولة ان يفهموه ، خصوصاً حين اعتبر ان لرئيس الجمهورية الحق في ان يكون له وزراء في الحكومة المقبلة ليستطيع القيام بدوره كاملاً ، وكي لا تبقى صلاحيات رئيس الجمهورية منقوصة .
اعطى اتفاق الدوحة الرئيس الثلث الضامن في الحكومة ولم يعطها للمعارضة ايا تكن هذه المعارضة ، من هنا حاول البعض في لبنان طرح فكرة الكتلة المستقلة لرئيس الجمهورية والتي لاقت دعماً من البطريرك الماروني الكاردينال صفير ، ولو ان الرئيس غير طامح للعب مثل هذا الدور، الاّ ان المستقلين في هذا الوطن اصبحوا كثراً خصوصاً بعدما تبيّن لهم مدى عقم الممارسة السياسية والكيدية التي مارسها ويمارسها البعض ، وهم يدعمون الرئيس بكل قواهم ، وسيترشحون على اساس دعم رئاسة الجمهورية والدولة اللبنانية والجيش اللبناني ، ولكل لبناني الفخر في التصويت لهذه المبادىء الثلاثة التي تؤدي إلى بناء الدولة الحقيقية وهذه الكتلة النيابية ستكون المرجحة لصوت الاعتدال والتوافق داخل مجلس النواب وداخل الحكومة .
إن من يخلط بين التأخير في تشكيل اللوائح في بعض المناطق وبين عزلة الرئيس وتخلّي المستقلين عنه ، انما هو يتمنى ذلك لكي لا يكون للرئيس القوة التي تؤمّن التوازن إن كان في المجلس النيابي أو في حكومة الوحدة الوطنية ، وهؤلاء معروفون بافكارهم ونواياهم الهدامة ، ويعرفهم اللبنانيون جيداً ولن يستطيعوا تضليل الناس مهما نافقوا وكذبوا .
إن وضع الرئيس سليمان دولياً لهو ملفت في نوعيته وماهيته من حيث الاحترام والمصداقية ، ووضع الرئيس سليمان إقليمياً لهو كذلك ايضاً ، ووضعه في الداخل اللبناني ممتاز، فهو محبوب ومحترم وقريب من هموم الناس ، ان الرئيس الذي استطاع من خلال نهجه التوافقي الوصول إلى قصر بعبدا لن يكون معزولاً في يوم من الايام ولو تمنت ذلك حفنة من المضللين الذين لا يريدون للرئيس ان يحكم ، ولا يريدون له حتى ان يكون حكماً ، بل هم صنّاعو فوضى وتخريب ، وها هم بدأوا اليوم بدس اخبارهم الاعلامية المسممة و التي لم تعد تنفع، وهي أصبحت خردة مكانها في سلة المهملات إن لم نقل في مزبلة التاريخ .
اللبنانيون لم يفاجئوا بالنعوت التي أطلقت على الكتلة المسقلة من البعض ، لأن هذا البعض لا يعرف الاعتدال ولا يعرف ان " خير الامور الوسط " ، بل يعرف التطرف وتمزيق لبنان وشرذمته ودسّ الافكار السامة على بعض الصفحات التي ملّ الناس منها ومن كاتبيها ، وهم معروفون انهم مرتزقة يقبضون ثمن الخبر لخلق الانقسام في البلاد ، وهؤلاء باعوا انفسهم ، فالوطن لا يعنيهم ، انما ثلاثون من الفضة كافية لهم حتى يكونوا يهوذا القرن الواحد والعشرين .
إن بعض الاحزاب متمسك بادخال مستقلين إلى اللوائح ، لانه يعرف ان صلاحيات رئيس الجمهورية التي تم انتقاصها يجب ان تعود ، ولأن المركز الماروني الأول في الدولة اللبنانية لا يمكن ان يكون منصباً صورياً يتوالى عليه الرؤساء كل ست سنوات ، لأن الموارنة كان لهم الدور الاساس في تأسيس دولة لبنان ، و سيكون لهم الدور الأكبر في بناء لبنان الحديث القائم على الشراكة والكفاءة والسيادة والاستقلال، وهذا ما ورد في شرعة العمل السياسي في ضوء تعاليم الكنيسة وهو حق وسيلتزم به كل المسيحيين.