الجمهوريّة الثالثة: عهد الموز والليمون
ميشال ي. الشماعي
لقد طالعنا في الآونة الأخيرة من كان صاحب السيادة والاستقلال بإعلاناته المنتشرة على الطرقات أكثر من غبار السيارات، وطبعا كلها من مردود المال النّظيف، بإعلان جلّ ما ورد فيه: "الجمهوريّة الثالثة الثابتة". هل انتبه أحد الى خلفيّة هذا الإعلان؟
إنّ ما يعرف بالجمهوريّة اللبنانيّة الأولى كان تلك التي برزت أيّام الرئيس الراحل بشارة الخوري أو ما عرف بجمهوريّة الإستقلال، وعرفت بامتيازات مسيحيّة صرفة في إدارة شؤون البلاد. والجمهوريّة الثانيّة أو ما عرف بجمهوريّة الطائف حيث أصبحت السلطة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين بغضّ النظر عن الأعداد.
ويأتي اليوم جماعة الموز والليمون ليطرحوا الجمهوريّة الثالثة. على ماذا تحتوي هذه الجمهوريّة؟ لقد حذّرنا وفي أكثر من مقالة لنا ومحاضرة وغيرها من الندوات من هذا الطرح الخفي الذي يتلطّى وراءه أصحاب الموز والليمون. الخطاب الليموني المشروع اليوم هو الدفاع عن العدديّة الشيعيّة وعن حقوقها المهدورة باتّفاق الطائف. بالمقابل أصحاب الموز ينادون اليوم بإرجاع الحقوق التي انتُزعت من رئيس الجمهوريّة الماروني المسيحي بحسب دستور الطائف مقابل إعطائهم حقوقا أكثر تكرّس في الدستور. هذه باختصار حقيقة جمهوريّتهم الثالثة.
اما ما هي خارطة الطريق التي سلكها الفريق الشيعي او ما لم يعد خفيا على أحد أي "حزب الله" للوصول الى درجة من الجرأة لإيصال طرحه الى أبواب البرلمان بعدما كان يُتداول به فقط في أروقة المجالس الشيعيّة الصرفة؟
إذا ما عدنا الى تاريخ الكيان اللبناني، فلبنان المكوّن من مجموعة إثنيّات طائفيّة مذهبيّة لم يقم ككيان الا باتّحاد فكرين كيانيين من لبنان. وهذا ما تحدّث عنه الراحل الكبير الدكتور شارل مالك في طرحه الكيانيّة اللبنانيّة وتحديدا في كتابه " لبنان في ذاته" عندما قال: " … بالحريّة الإنسانيّة الكيانيّة الأصليّة، النابعة من الإحترام العميق للعقل وللحقيقة، يكون لبنان ويبقى." ويعملون على عدم تحقيق هذا القول كي لا يبقى ويستمر لبنان.
لم يظهر الكيان اللبناني المعروف اليوم الا باتّحاد المسيحيين والدروز عندما برز نظام الإمارات في القرن السادس عشر وبعده المتصرّفيّة في الثامن والتاسع عشر الى أن وصلنا الى عهد الجمهوريّة الاولى التي قام كيانها على الكيان الذي أوجده المسيحيّون والدروز على السواء.
وبعد القراءة التاريخيّة لمراحل الكيان اللبناني في العهد الحديث، اقتنعت دوائر الفكر لدى حزب الله بضرورة تظافر فكرين كيانيّين من مكوّنات الفكر اللبناني لقيام فكر كيانيّ جديد. فعمل حزب الله ومنذ نشوئه عام 1982 على تصفية كلّ الشخصيّات والجماعات في القرى الشيعيّة التي تناهض فكرة قيام ولاية الفقيه في لبنان وآخرها ما شهدناه من معارك مع فصائل من حركة أمل في الضاحية الجنوبيّة عام 1986 والتي ذهب ضحيّتها ما يقارب 615 قتيلا.
بعد هذه المرحلة وصل حزب الله الى مرحلة النقاء في الفكر الشيعيّ وبات الكلّ مؤمنا بضرورة وجود هذه الولاية. لذلك انتقل الى الخطّة رقم 2 والتي سوف تعطيه المشروعيّة اللبنانيّة الصرفة. فانتقل الى المقاومة في أرض جنوبنا الغالي بعد أن عمل على تصفية كلّ حركات المقاومة في الجنوب وأبرزها تلك التي اطّلع بها الحزب الشيوعيّ اللبناني أو الذين كانوا معروفين بجماعة اليسار. وتابع مسيرته بعد أن أصبح اللاعب الأوحد على الساحة الجنوبيّة. وطبعا لا ننكر الإنتصارات والشهداء الذين قدّمهم هذا الفريق في أرض الجنوب الغالي. لكنّه وعلى لسان أمينه العام كان يردد ويقول دائما : "نحن لا نريد أيّ ثمن بالمقابل."
أما اليوم فهذه المقولة لم تعد صالحة خصوصا بعد الدفاع عن عدم مشروعيّة السلاح في الداخل بالسلاح في السابع من أيّار 2008 وما نتج عنه من إعتراف بمبدأ الثلث المعطّل في اتّفاق الضرورة أي اتّفاق الدوحة _ وما نعتبره برأينا المتواضع خطأ استراتيجيّا ارتكبته قوى الاكثريّة المالكة وغير الحاكمة في تلك الفترة._وهذا ما يُعمل على تكريسه كعرف دستوريّ. حيث ومن المعروف في بلد مثل لبنان بأنّ العرف أقوى من الدستور كما يقول جهابذة القانون عندنا.
وانتقلوا الى المرحلة الثالثة من خطّتهم ألا وهي السيطرة على الدولة كما هي اليوم بالطرق السلميّة أي بالإنتخابات النيابيّة المشروعة، لنقلها الى مرحلة أخرى أو الى عهدهم: عهد الموز. الا انّهم وبعد قراءة تاريخيّة وصلوا الى قناعة مفادها عدم توفّر الشروط لقيام مشروعهم الديني العقائدي بحذافيره في بلد كلبنان. لذلك عملوا على تزيين حجابهم الفارسي فجعلوه وشاحا اندلسيّا مطرّزا وأدخلوا معهم الى اللعبة الكيانيّة الفريق المسيحيّ. وتحت شعار إرجاع ما سُلب من حقوق مسيحيّة مشروعة من منصب رئاسة الجمهوريّة في عهد الجمهوريّة الثانيّة تمّ سحب معظم الجمهور المسيحيّ فكانت حينها مقولة ال 70 % .
هكذا أمّن حزب الله الطرف الثاني لتغيير الكيانيّة اللبنانيّة. وصارت الثنائيّة الشيعيّة المسيحيّة. والآن ينتقل الى مرحلة إعلان الإصلاحات على الجمهوريّة الثانية. والإصلاح الأوّل الذي يشكّل مادّة دسمة أو رافعة لشارع القطب المسيحي في الكيانيّة الجديدة أي جماعة جنرال الليمون ومن لفّ لفيفهم من الحانقين والحاقدين على قطرات دماء الشهداء المسيحيين الذكيّة، هو إرجاع حقوق رئاسة الجمهوريّة. لكن …. ماذا بعد؟
للتاريخ فقط، سيتمّ المطالبة بمنصب نائب رئيس للجمهوريّة وسيكرّس للطائفة الشيعيّة وسيعطى هذا المنصب الصلاحيّات المسترجعة من الجمهوريّة الثانية. وسيبقى الرئيس المسيحي كما كان في الجمهوريّة الثانيّة. كذلك سيقوم مجلس شيوخ يملك ولا يحكم وذلك طبعا لإرضاء الشارع االمسيحيّ الذي باع كيانيّته بثلاثين ريالا فارسيا من المال النّظيف. وسيتم تقليص الدور المسيحي في دوائر انتخابيّة تكون لمصلحة الفريق المسيحي المشارك في الكيانيّة الجديدة أي عون وجماعته. كأن تصبح دائرة بشري وبعلبكّ الهرمل دائرة واحدة. أو ان يصبح النظام الإنتخابي قائما على المحافظات والنسبيّة المركّبة على قياسهم. وطبعا مع عدم الإعتراف بحقوق الناخبين المغتربين لأنّ أكثريّتهم من المسيحيين الأحرار. ولا تبقى صامدة الا بعض الأقضية في محافظة جبل لبنان والتي لن تشكّل أي تأثير في البرلمان الذي سيضمّ أكثريّة شيعيّة باللون البرتقالي وأكثريّة شيعيّة بالحقيقة الإثنيّة الدينيّة.
وهذا ما لا يتنافى تماما مع قيام دولة عنصريّة في جنوبنا ودولة توتاليتاريّة في شرقنا وشمالنا.
لذلك فهذان الكيانان هما ضنينان على قيام " الجمهوريّة الثالثة" والتي ستثبّت وجودهما في هذه المنطقة وستنهي الصراع السرمديّ. وعندها يكون حزب الله حقق مشروعه في لبنان لئن اختلفت التسميات من ولاية فقيه الى جمهوريّة ثالثة ثابتة وغيرها. هذه الحقيقة وقد وضعناها بين أيديكم للتاريخ فقط. تاريخ كيان يُعمل على تغييره تحت مختلف الشعارات من تحرير وإصلاح وتغيير وتنمية. لكلّ الحاقدين على تاريخ المقاومة المسيحيّة نقول:
– أيستحق حقدكم أن تباع أرض يوحنا مارون بثلاثين ريالا فارسيا؟
– أيعقل أن ترضوا بمنّة وتتخلّوا عن حقّ مكتسب منذ الولادة؟
– هل هذه طريق عودة أسرانا وأسراكم من سجون الإحتلال السوري؟
– هل هذه هي الطريقة التي يُصان بها ويُسهر على تطبيق 1559؟
– أبورقة صفراء من الحقد يُحفظ مسيحيّ الأطراف في الزهراني ودير الأحمر وغيرها من المناطق الحرّة؟
– وهل ستكفل هذه الجمهوريّة لكِ أيّتها الناخبة شعار " كوني جميلة وصوّتي" بهذه الملابس المثيرة؟
– أم ستصوّتي أنت أيّتها الناخبة الحرّة من وراء لباس شرعيّ أسود لا يُظهر الا جمال عينيك؟
– والأكثر هل ستضمن هذه الجمهوريّة حريّة تعدد الألوان لتصوّتوا كما ينادوا : " صحّ" ؟
نترك الإجابة عن كلّ هذه التساؤلات والحقائق برسمكم، اليوم أنتم خطّ دفاع أوّل عن كلّ حقّ من حقوق اللبنانيين الكيانيين. نحن لن تخلّى عن حقّنا في رفع صليبنا على هذه الجبال ومن دون منّة من أيّ أحد، لا بل كما في الماضي البعيد والقريب سيبقى لبناننا عريناً للمقاومة ومعقلا للأحرار.