الجنرال والتيار والست ليندا
مارون ناصيف
قبل السؤال عن الست ليندا من هي ومن تكون والدور الذي لعبته وتلعبه مع الجنرال وتياره، ليسمح لي جنرال الخيبة بالوقوف لحظة صمت وتأمل لأترحم على الست ليندا هذه السيدة التي رهنت بيتها وباعت مصاغها وحملت ما خف حمله وغلا ثمنه واندفعت مع المندفعين وصفقت مع المصفقين وصعدت الى قصر الشعب لتنصر الجنرال على كل من حوله.
بالروح بالدم نفديك يا جنرال الله عون وبس كلمات وشعارات رددتها الست ليندا على مسامع من لا يسمع وقدمت اولادها الثلاثة لنصرة الجنرال الخائب في حربه التحريرية.
وفي صباح 13 تشرين وقفت على شرفة منزل استأجره احد اولادها على مدخل بدادون لتشم رائحة الجنرال من هنالك صباحا ومساء تودع وتستقبل فلذات كبدها الثلاث بالدعاء والصلاة والله ينصر الجنرال مرت السوخوي فصرخت الله مع الجنرال مرت الثانية دخيلكم وين الولاد ان شاء الله يكونوا جنب الجنرال، وفتحت الراديو لتسمع اخر الأخبار والهوبرات فانسل صوت جنرال البرتقال الى اذنيها كأنه فحيح افعى (منعا لأهراق الدم وصونا للبلاد والعباد وبتصرف العماد لحود وضعنا الجيش).
فصرخت دخيلكم وين الولاد وين الياس وين حنا وين مارون شو صار فيهم شو تركهم وفل، وليس من مجيب انتظرت مع المنتظرين عودة الأبطال عودة ابطالها لكنهم لم يعودوا.
وينك يا جنرال وفجأة لاحت لها بيارق الجيش السوري على مقربة منها في حومال ووادي شحرور وكفرشيما وبعبدا وسوق الغرب والكحالة . وين الجيش شو صرنا بسوريا ولا سوريا هون شو كان بدنا بها الحرب الله يرد ها الشباب بخير وسلامة. ولا خبر يطمئن، وين الشباب ولا من مجيب، يا حصرتي دخيلكم. وكم من الرفسات والقبضات نالت عندما كانت تتوجه الى اليرزة لتسأل عنهم.
ومضت الأيام ثقيلة رتيبة وبطيئة والست ليندا اصبحت كومة من عظام بعدما مات زوجها ابو الياس حسرة على الأولاد.
عاد الجنرال من منفاه الأرستقراطي وتنفست ام الياس الصعداء ونزلت الى المطار لاستقباله علها تحظى بلمسة من ثوبه ولكن تعبها راح ادراج الرياح.
وفجأة نبت تيار برتقالي اسمه تيار وطني حر وارتدت ام الياس الثوب البرتقالي علها تسمع خبرا عن الثلاثة حتى اسر في اذنيها احد الرفاق الذي التقاها صدفة على مدخل هيئة من هيئات التيار المنتشرة في كل زواريب البلد، ولكنها فارغة الا من وقاحة بعض المقيمين فيها، عرفها بنفسه اغرورقت عينيه بالدموع الياس الله يرحمو بس حنا ومارون يمكن بالحبس بسوريا، كتر خير الله يعني طيبين وركعت على الأرض مقبلة تراب البطل وقد قال لها هذا الرفيق يمكن دفنو للياس باليرزة.
وبدأت مسيرة الألام بالنسبة للست ليندا ولا من مجيب ولم يتعرف عليها احد حتى سمعت بخبر زيارة جنرال الخيبة الى الشام فأطمأن قلبها. اكيد رايح يجيب الولاد اكيد مش ممكن يرجع بلاهم، وافتر ثغرها عن ابتسامة اشتاقت اليها من زمن طويل دعت الجيران لمشاهدة وقائع استقبال البطل في الشام.
اكيد هلق بدنا نشوف الولاد. تبكي وتضحك، كنت قول ما بجيبهم الا الجنرال. فجأة وقعت ركوة القهوة من بين يديها عندما سمعت جنرال البرتقال يطلب الأعتذار من سوريا وبأن لا علاقة له بالمخفيين او المسجونين في سوريا، وسوريا صارت بسوريا ولا دخل لها بما جرى ويجري في لبنان منصبا نفسه بطريركا على سائر المسيحيين.
فما كان من الست ليندا الا بصقت على شاشة التلفزيون صارخة: يا ضيعان الشباب يا ضيعان يلي راحوا قديشك واطي وبلا اخلاق يا جنرال اكيد انت ميشال عون وصرخت بأعلى صوتها دخيلك يا ابوالياس خدني لعندك بدي شوف الولاد وسقطت مغميا عليها وسط ذهول الجيران. بعدما استردت بعضا من عافيتها عند عودة الجنرال متأملة بخبر قد يكون فيه اليقين "ما كنت عارفة انو هلقد واطي وتاجر يا عيب الشوم عليه بدي الولاد يقبر عمرك تيار وطني حر قال كلكم واطيين متل معلمكم كلكم تجار متلو ضيعان قلبي"، وسقطت ارضا مسلمة الروح الى باريها علها تلتقي بأحبة فقدتهم.
هذه هي الست ليندا وهذه قصتها المشابهة لمئات القصص المكتوبة بالدماء الطاهرة المروية بالدموع دموع الأرامل والثكالى والأيتام كرمى عيون وقحة ونفوس خسيسة وتيار يصدق قول المثل فيه "انهم اشباه رجال زمن الرجال وخصيان في زمن الفحول انهم اولاد الأفاعي.
هذه هي قصة ام الياس.