عنكبوت المعارضة العبثية وخيوط التآمر
المحامي جورج ابو صعب
في ظل الوضع المتأزم الذي دفعت اليه قوى 8 اذار منذ تخلية سبيل الضباط نرى في الافق ارتسام علامات تآمر جديد على لبنان الدولة والمؤسسات والقانون من خلال اطلاق فتيل التصعيد السياسي وربما الميداني تحت شعار محاسبة القضاء في الوقت الذي تريد فيه القوى المعارضة اسقاط الدولة والمؤسسات والنظام في انقلاب لن يكتب له النجاح كما لسابقاته.
نقول هذا الكلام وقد تجمعت لدينا في الايام القليلة الماضية عدة معطيات سنتوقف عند ابرزها لتحليلها واستنباط ما يمكن ان يصبح عليه الوضع مستقبلا عشية الانتخابات النيابية في حزيران المقبل:
1- الرئيس السوري بشار الاسد يؤكد في حديث لصحيفة الشرق الاوسط منذ ايام بان حماس وحزب الله لن يهاجما اسرائيل عبر سوريا: فهذا الموقف الذي بدأ رويدا رويدا يخرج الى العلن لا يفاجئنا ولكنه في توقيته يرسل اشارات واضحة لمن يريد ان يفهم بان سوريا لن تفتح جبهة مباشرة مع اسرائيل لانها ستبقي على وجود حماس في غزة وحزب الله في لبنان قويا ومصدرا وحيدا لاقلاق اسرائيل وبالتالي لابقاء الجبهتين الفلسطينية واللبنانية مفتوحتين على كل الاحتمالات – خاصة وان الرئيس السوري نفسه اليوم ايضا ينصح الادارة الاميركية بالتفاوض والتفاهم مباشرة مع حماس وحزب الله كما مع ايران .
فهذا الموقف السوري ان دل على شيء فعلى استمرار النظام في دمشق اللعب على اوتار المقاومتين اللبنانية والفلسطينية للضغط من جهة على الادارة الاميركية الجديدة ولابقاء حزب الله وحماس في حالة جهوزية تامة لاشعال الجبهات والضغط ميدانيا على لبنان والسلطة الفلسطينية مع ما يعنيه ذلك بالنسبة للبنان من اطالة امد الوجود العسكري الميداني لحزب الله في لبنان.
فضلا على ذلك فان دعوة الرئيس السوري الادارة الاميركية التفاوض مباشرة مع حزب الله ينطوي على تنكر الاسد للدولة اللبنانية التي يجب ان تكون هي المفاوضة وليس تنظيما سياسيا مهما علا شأنه.
وبالتالي من هذه القراءة للموقف السوري نجد بذور التوجه السوري نحو اضعاف الدولة اللبنانية وسيادتها واستقلالها من خلال الاستمرار في لعبة ما فوق الطاولة وما تحتها.
2- كشف ديبلوماسي خليجي في الامم المتحدة في نيويورك منذ حوالي اسبوع عن ان الحكومتين الايرانية والسورية تمارسان ضغوطا على حكومة فلاديمير بوتين في موسكو لتأجيل تسليم سلاح الجو اللبناني عشر طائرات روسية متطورة من طراز (ميغ 29) الى مطلع العام المقبل 2010 او على الاقل الى ما بعد شهر تشرين الاول المقبل موعد حددته طهران لنجاح او فشل حوارها مع الولايات المتحدة وأوروبا حول وقف تخصيب اليورانيوم بشكل كامل او مواجهة حرب اسرائيلية لتدمير البرنامج النووي الايراني: فهذا التقرير يضع الاصبع على جرح الوضع اللبنان ويؤكد بشكل قاطع الرغبة المشتركة السورية والايرانية في اضعاف الدولة اللبنانية وقدرتها على السيطرة على كافة الاراضي الوطنية وبسط سلطتها الشرعية والتمتع بقدرات ذاتية تمكنها من اقامة الدولة القوية والقادرة على حماية ترابها وشعبها في مواجهة العدو الاسرائيلي الامر الذي اذا ما تحقق سوف يضعف قدرة ومبرر وجود حزب الله كورقة اقليمية للمفاوضة والضغط والمساومة.
فدولة لبنانية قوية بقدراتها العسكرية لا تناسب لا سوريا ولا ايران كما لا تناسب اسرائيل وهذا ما دفع حزب الله الى معارضة وبقوة تزويد الجيش اللبناني طائرات اميركية من دون طيار لانه يعتبرها خطرا استراتيجيا على مواقعه وهوائه المقفل في وجه سلاح الجو اللبناني. فايضا هنا المطلوب اضعاف الدولة وابقائها رهينة الحسابات الخارجية، فممنوع على لبنان ان يصبح دولة قوية وسيدة وقادرة في نظر المحور السوري – الايراني – الحزب اللهي .
3- موقف امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه المتلفز الاخير الذي وللاسف جاء ليقضي على امال الحكمة والتبصر التي لطالما حاول السيد اظهار نفسه فيها. وهو وان اعتمد اللهجة الهادئة والنبرة المستكينة الا ان في كلامه ما يعصف انقلابا على المحكمة الدولية والنظام السياسي ودولة المشاركة الذي بحت حناجر مرشحي الحزب خاصة في اطلالاتهم الانتخابية الاخيرة على التأكيد عليها اذا ما فازت 8 اذار في الانتخابات المقبلة .
فاهم ما تركه السيد في كلامه من انطباع لدينا هو ان حزب الله استغل سياسيا موضوع اطلاق الضباط الاربعة الى اقصى الحدود ليذهب بالموقف من المحكمة الدولية الى ابعد حدود الرفض لها والرفض المسبق لما قد تفعله او تطلبه او تامره المحكمة الدولية .
فلو ان السيد حسن توقف عند تأييد اطلاق الضباط الاربعة ومطالبة القضاء اللبناني بفتح تحقيق في ما يعتبره مخالفات او فضيحة قضائية بالابقاء على توقيف الضباط الاربعة طوال هذه الفترة من دون ادلة كافية، لكنا تفهمنا الموقف ومشروعيته من وجهة نظر الحزب. اما وان ينطلق من ذريعة ما حصل للضباط الاربعة (والذي كان قانونيا وصحيحا) كي يحكم من عنده بانه لن يتعاون بعد اليوم مع المحكمة الدولية لانها مسيسة، طارحا نفسه من الان خارج دائرة التأثر بالمحكمة الدولية لتغطية مسبقة للبعض من الحلفاء الذين قد تستدعيهم المحكمة الدولية عند بدء المحاكمات الجدية .
فعمليا ان السيد حسن نصرالله اعلن القطيعة مع الحقيقة والحق وبالتالي اعلن القطيعة مع اي حكومة وحدة وطنية او حكومة مشاركة، لان الجميع في 8 اذار يجب ان يعرف بانه من لا يؤيد المحكمة الدولية والقضاء الدولي لا مكان له في الحوار مع 14 اذار .
وبالتالي فان موقف السيد حسن يصب ايضا وايضا في خانة القطيعة واضعاف الدولة اللبنانية وامال الوحدة الوطنية والمشاركة الحقيقية .
فالقضاء الذي يريده حزب الله والذي يقر به حزب الله هو القضاء الذي يركن اليه ويطمئن الى انه يصون حلفاءه وسياسته في لبنان والمنطقة. فكل ما لا يصب في خانة تحييد حلفائه وتبرئتهم من تهم الاغتيالات وان تبين ان البعض منهم فاعل – يكون مرفوضا ومدانا ومسيسا- وهذا بذاته قمة التسييس.
يضاف الى ذلك ان الحزب اليوم يقود حملة شعواء ضد القضاء اللبناني لاسقاط هيبته غير ابه بالنتائج التي قد تترتب على اضعاف السلطة القضائية وضرب مصداقيتها وبالتالي مصداقية الدولة وهيبتها وهيبة النظام العام، وهي التي لم تخطئ قانونا كما شرح اكثر من قانوني ومسؤول سياسي وحقوقي في الايام القليلة الاخيرة بالاضافة الى ما سبق وشرحناه في مقالاتنا الاخيرة السابقة. ولكن الاهم لحزب الله هو التمكن من خلال التصويب على القضاء من الوصول الى اسقاط سلطة 14 اذار وحكم الاكثرية، فالمستهدف الحقيقي ليس القضاء بل قوى ورؤوس 14 اذار السياسيين الامر الذي يهدد حقيقة سلامة واستقرار العملية الانتخابية المقبلة ويضفي اكثر فاكثر عليها الطابع الاستثنائي والمصيري بالاضافة الى تهديد السلم الاهلي من الباب العريض.
4- ويبقى ان نشير الى ان الحزب في مواقفه الاخيرة منذ اطلاق الضباط الاربعة اسقط القناع السياسي لهويته الحقيقية التي حاول كثيرا في السابق التلطي وراءه وتبين للقاصي والداني انه في الواقع حزب الحماية السورية لابشع رموز عهد الوصاية السورية في لبنان وايام التسلط والظلم والاستبداد. فمن شكرا سوريا عام 2005 الى الدفاع المستميت عام 2009 عن الضباط الاربعة وبحجتهم الى محاولة الانقضاض على السلطة والقضاء والاكثرية خيوط عنكبوتية تتشابك مع مواقف ومصالح المحور السوري – الايراني لتزيد الوضع اللبناني اهتراء وارتهانا للخارج ولتجعل الدولة اللبنانية في كل ذلك ابعد ما يكون منالها.
فهل بدا الانقلاب على دولة لبنان ومشروع الدولة اللبنانية الفعلية والقوية قبل الانتخابات … وعلى حساب الانتخابات؟