وفاء للشهادة والحق… لا للعفو نعم للحقيقة
بقلم جان عزيز- "النهار" في 14 تموز 2005
لا ادري ما اذا كان مرتكب الجريمة الابشع في لبنان بعد وقف الحرب العسكرية فيه – جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة – من قراء التاريخ النازي او من المعجبين به حتى الاقتداء. ام انها مصادفة تاريخ الاجرام، جعلته يرتكب جريمته في اليوم نفسه لسيناريو اجرامي مماثل حتى التطابق، عاشته برلين النازية بفارق واحد وستين عاما.
ففي 27 شباط 1994، سقط احد عشر شهيدا على مذبح كنيسة الزوق، بعدها ضُربت "القوات اللبنانية" واعتقل مسؤولوها واوقف جرجس توفيق الخوري متهما اساسيا في المذبحة، واجريت سلسلة المحاكمات المعروفة، وارتاح النظام الامني اللبناني – السوري الى ثبات حكمه، بمشاركة اكثرية ساحقة من الطبقة السياسية اللبنانية المستولدة نفسها امس واليوم وكل يوم، بلغة الحرباء ووجهها والجلد…
وفي اليوم نفسه (27 شباط) من عام 1933، اندلع حريق مفتعل اتى على مبنى مجلس النواب الالماني (رايخشتاغ) ، فسارعت السلطات النازية الصاعدة في حينه الى حل الحزب الشيوعي الالماني بعد اتهامه بالجريمة، واضطهاد مناصريه واعتقال قادته، وأُسر مارينوس فان در لوب بتهمة ارتكاب الجريمة وارسى هتلر حكمه…
غير ان ثمة فارقين اثنين بين برلين 1933 وبيروت 1994. ففي الاولى انتهت المحاكمات النازية الى صدور احكام بالتجريم الكامل لمعارضي السلطة. اما في الثانية فجاء الحكم في قضية الكنيسة توليفة هجينة بين براءة للشك واعتقال موقت للضرورة المعروفة، وادانة جرمية كاملة اصابت جرجس الخوري وحده.
والفارق الثاني ان جرجس استطاع الصمود رغم ظروف الاعدام البطيء التي اريدت له، فيما اعدم فان در لوب في لايبزيغ يوم 10 كانون الثاني 1943، ليطوي معه سر بريء قتله ارهاب الدولة.
والدقة كما الامانة التاريخيتان تقتضيان القول ان سبب هذين الفارقين لا يعود الى كون قضاة السلطات البرلينية اسوأ من سواهم، بل الى كون المجتمع المدني في لبنان ظل ينبض تحت نير الاحتلال وادواته فمانع وعارض وقاوم وخفف قدرة النظام على السحق والابادة.
الا انه اليوم، وفي الذكرى التاسعة لصدور الحكم المذكور في 13 تموز 1996، يبدو ثمة خطر من ان يمحى الفارقان وتسقط في زمن التحرير انجازات الزمن السابق. فالمفهوم، بل الضروري، ان يكون السعي مطلقا لتحرير رفيقنا الاول سمير جعجع. لكن من غير المفهوم ولا الضروري ابدا ان يرافق ذلك الوقوع في خطأ طي الملف واسقاط القضية وحظر الحق في السؤال عن الحقيقة الابرز: من فجّر كنيسة سيدة النجاة؟
علما انه "يولد جميع الناس احرارا متساوين في الكرامة والحقوق" ، فلا ميزة لانسان على آخر، لا في حياته ولا في موته، وخصوصا متى كان استشهادا على مذبح الرب يسوع. ولا اولوية لحقيقة على اخرى، وخصوصا متى كانت الحقيقة معبرا وحيدا الى حق جماعة كاملة اتهمت وتعذبت وظلمت واضطهدت، وتحولت طيلة عقد ونيف مركبة يستقلها الهابطون صوب عمالة، او الصاعدون فجأة صوب مقاومة، ويستريح فيها اصحاب تكتيكات تراكم الاخطاء واستراتيجيات الانتظار الخبيث والصمت عن كل الحقوق…
و الاهم اليوم ان الخطأ المذكور يكاد يرتكب، فيما الحقيقة تكاد تكون مكشوفة للجميع لا تغطيها غير قشرة مهترئة من آخر محرمات النظام الساقط، تماما كما تركت طبقة تقصيره الترابية تغطي الشهيد عبد الحميد غلاييني اياماً طويلة قرب خليج مار جرجس. فلماذا لا نقدم نحن ايضاً على نبش حقيقتنا بأيدينا، ولماذا نتخلى طوعاً وخطأ عن هذا الحق؟!
الحقيقة في جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة تكاد تكون معروفة من الجميع. فالمعروف كيف اخفوا التحقيقات مع كل من مكرم مرسي علي وجولان يوسف ضيا. والمعروف ايضاً كيف رعت جهات اصولية حليفة لسلطة النظام، عمل المتهم من بينهما. والمعروف كذلك كيف سربت المعلومات عن مخطط التفجيرات وسميت كنيسة الزوق نفسها، وكيف اخفي المتهم طويلاً واعيد شاهداً.
ومن جهة اخرى، بات معروفاً ايضاً كيف خططوا منذ عام 1991 للربط بين جرجس توفيق الخوري و"القوات اللبنانية"، عبر ضابط هناك في ضبيه ودير شويا وجماعة "رسل الانجيل" وقاضيين، واحد آت من الوضع في التصرف وملفات التفتيش القضائي، وآخر ذاهب الى تسوية استملاكات عقارية بمليارات.
وبات معلوماً كيف سرقت حقيبة احد المطلوبين لقفل الرواية قبل الجريمة بأيام، وكيف اعيدت اليه اوراقها بعدها وبعد توقيف وتعذيب وتركيب.
وبات معلوما كيف استدرج الاباتي انطوان صفير ليزج في افادته اسماء تستكمل الحلقة الجهنمية، وكيف طوقت غدراس برؤيوية فائقة قبل تسليم جرجس نفسه، وكيف استشهد فوزي الراسي بتوقف قلب، يوم كان توقف الضمير سمة عامة لطبقة سياسية كاملة.
وبات معلوماً ايضاً كيف قال جميل السيد لسمير جعجع "هدّي ع اجريك اذا بتقدر…"، وكيف تنبأ بالرؤيوية السابقة نفسها، وفي اتصال هاتفي مع نائب سابق، بكنيسة ثانية وثالثة…
لكل هذه الاسباب، ولاجل كرامة الكنيسة الذبيح، ولاجل كرامة شهدائها الذين قال فيهم المطران جورج خضر يوم الجريمة انهم "صاروا اعلى من الشمس واسطع، باعلان قداسة وبغير اعلان". ولاجل كل من احس نفسه متهما بريئاً، ومداناً مظلوماً طيلة احد عشر عاماً. ووفاء لقلب فوزي ودماء اقبية البلانكو وصراخ السرداب الطويل.
ولاجل الحقيقة والحق، لا تدخلوا جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة في احكام قانون العفو المرتقب. علماً ان الامر لن يؤثر اطلاقاً على تحرير سمير جعجع المنشود. وليتفضل رئيس الجمهورية فوراً بتوقيع مرسوم عفو خاص لتحرير جرجس توفيق الخوري، مما يعيد اليه حقه في الحرية، ولا يقتل حقنا جميعاً في الحقيقة. وبعدها فلتتعهد الحكومة المقبلة انجاز الاصلاح القضائي المطلوب سريعاً، بالغاء المحاكم الاستثنائية اولاً وفي مقدمها ما يسمى المجلس العدلي، واعادة النزاهة الى القضاة، ولتتم بعدها اعادة المحاكمة في جريمة الكنيسة، احقاقاً لكل الحق، واظهاراً لكل الحقيقة.
عندها، وعندها فقط، فليسأل جرجس وفوزي ورفيقنا الاول والشهداء الاحد عشر وذووهم، ولتسأل الكنيسة معهم، اذا كانوا يقبلون العفو عن المجرم او يمنحون الصفح لجلادهم، بعد معرفة الحقيقة الكاملة، طريقاً لانجاز المصالحة الفعلية.حتذاك سأظل اقرأ كلام كبير قضاة المانيا في العام 1981، اثر انكشاف الحقيقة في جريمة الرايخشتاغ بعد نحو نصف قرن على وقوعها وتزويرها: اشعر بالعار حيال القضاء والعدالة في بلادي. فالقضاة الذين اصدروا الاحكام ضد المعارضين في ظل النظام النازي، لم يحاسبوا ولم يدفعوا الثمن المناسب لما ارتكبوه من اغتيالات قانونية…".