الواصلون بالقمع خاسرون ولو احتلوا كل المقاعد…
I
تقتضي الأمانة الأخلاقية أن يقرّ كاتب هذه السطور بأنه، وكثر من رجال السياسة او الاعلام، اندفع الى اتهام الضباط الاربعة بالضلوع في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اشتراكا او تنفيذا او تحريضا او تسهيلا او تسترا او اخفاء لمعالم الجريمة، بناء على قراءة سياسية ذات اسانيد قوية، عززتها اعترافات شهود ظهر لاحقا بطلان بعضها او تراجع اصحابها عنها.
وتقتضي الامانة نفسها ان نقرّ بان مجمل الاعلام اللبناني والسوري لم ينتظر كلمة القضاء، لا اليوم ولا البارحة، بل نصّب نفسه قاضيا وديّانا او محامي دفاع، تبعا لأهوائه السياسية والشخصية.
لكن الامانة عينها تقتضينا القول ان الحملة التي اطلقها بعض الضباط، ومن خلفهم "حزب الله" وحلفاؤه، تجاوزت حدود مسألة الضباط الى محاكمة القضاء بمجمله، والدولة التي تحتضنه، والى استغلال الحدث في توفير مادة ملتهبة للمعركة الانتخابية، مما يوجب القول:
1 – التشكيك بالمحكمة الدولية سنوات طولى، بداعي تسييسها، ثم القفز الى الابتهاج بقرارها ومحو الاتهامات السابقة في ليلة واحدة ومن غير تفسير او تعليل، يفقد اصحابه كل صدقية وكل شرعية اخلاقية في الاتهام الذي سيق سابقا.
2 – ان التقافز من موقف الى آخر نقيض، يدفعنا الى التساؤل: اي موقف سيكون لمبتهجي اليوم اذا قررت المحكمة اعادة توقيف احد هؤلاء الضباط غدا؟
لم لا تقرر قيادة 8 آذار ان تقتدي بالموقف الشجاع الذي افصح عنه سعد الحريري عندما اكد قبوله قرارات المحكمة، ايا تكن، وسواء ذهبت مذهبه ام لم تذهب؟
هل من يرتفع قليلا فوق نفسه وفوق حساباته واهوائه، بعيدا من الكيد والمناقرة؟
3 – لقد لامست الخطب المؤيدة للضباط حدود استثارة الغرائز المذهبية والعودة الى خطاب التخوين الوطني، فيما البلد يرقد فوق بركان. فهل يغلب التعقل ام نمضي في تسعير الخلاف حتى التفجر؟
من حق 8 آذار ان تسعى الى السلطة، وان تفيد من ثغر وخطايا 14 آذار، وان تتوسل الانتخابات سبيلا الى قلب المعادلة السياسية. ولكن ليس من حقها ان تطرح المعركة بوصفها صراعا بين "وطنيين" و"عملاء"، او استفتاء على موقع لبنان العربي. فتلك شؤون حسمها اتفاق الدوحة، وقبله اتفاق الطائف، مما يجعل العودة اليها اصطراعا على اساسيات الكيان وهويته. لم يعد جائزا ان نخوضه، كل عشر سنين.
فهل يجب ان نندفع نحو حرب اهلية، كلما حصل افتراق سياسي؟
نريد ان يبقى البلد، ايا تكن نتائج الانتخابات.
اذا انتصرت 14 آذار، سنبتهج من دون ان ننسى آثامها واخطاءها ومفاسد قادتها وسوء قيادتها.
واذا انتصرت 8 آذار لن نقيم مناحة، ولن ننعى البلد، ولن نبشر بزواله. فجمهور 8 آذار بعض أصيل من اهل البلد.
المهم ان يعلو لبنان على شهواتنا وخياراتنا ويبقى صالحا للعيش. العيش الكريم الحر.
• • •
II
يتكرر الاعتداء على المرشح احمد الاسعد وانصاره من جانب قوى الهيمنة في الطائفة الشيعية، مما يكذّب ادعاءاتها حول قبول "التعددية" والاحتكام الى صناديق الاقتراع.
هذه قوة شيعية، يحق لها ان تعبّر عن نفسها، مهما يكن الرأي في تاريخها او مذهبها السياسي. حق لها ان تعقد اللقاءات والمهرجانات، مثلما هو حق مقدس للحزب الشيوعي واصدقائه.
اما محاصرو هذه التيارات الحاضرة في الوسط الشيعي، فهم يدينون انفسهم اولا، ويطعنون ادبيا بنيابتهم وتمثيلهم السياسي.
فمن ينتصر بحد السيف والقمع، خاسر وإن احتل كل مقاعد المجلس النيابي.