"أهل بيروت" وانتخابات العام 2009
يخوض أهل بيروت معركة انتخابات العام 2009 بروحيّة مختلفة وأشد حميّة واعتداداً في مدينتهم ورجالاتهم وكرامتهم وحرمة منازلهم وأموالهم وأرواحهم ووفائهم لمن أحبهم وأحبّ مدينتهم فبادلوه الحب بالحب والإخلاص بالإخلاص والوفاء بالوفاء..
منذ ما بعد الطائف وأهل بيروت يخوضون الانتخابات برؤية واضحة وشفافة ومخلصة لـ "لبنان أولاً"، ومراجعة سريعة لهذه المحطات تكشف أنهم لا يسكتون على ضيم، وأن الحرب عندما وضعت أوزارها وضعوا نصب أعينهم أن لا ينصروا غريباً على وطنهم، وأن لا يمدّوا يدهم لمن يخطط ويتآمر بسوء على وطنهم، وأنهم عندما راجعوا تاريخهم خلال الحرب خصوصاً أبناء "الطائفة السُنيّة"، اكتشفوا كم أخطأوا حين قدّموا مصلحة قضايا الآخرين مهما كانت محقّة على مصلحة وطنهم، وأنهم ارتكبوا خطيئة بحق لبنان وأنفسهم عندما قدموه مطيّة لشعارات العروبة الطنانة، ثم قدموه ثانية قرباناً على مذبح المنظمات الفلسطينية وفلتانها لا قضية فلسطين، وأنّ صمتهم المطبق الذي واجهوا به الوصاية تعبيراً عن رفضهم لها كان يحتاج إلى صوت عالٍ لا إلى صمت !!
عام 1992 وفي أول انتخابات نظّمت بعد الطائف، خرج الرئيس الراحل صائب سلام ليعلن مقاطعة الطائفة السُنيّة لهذه الانتخابات التزاماً منها بوحدة لبنان واللبنانيين ولأن جناح لبنان المسيحي أعلن مقاطعتها، كانت هذه أول انتخابات تنظمها الوصاية..
عام 1996 خاض أهل بيروت الانتخابات مؤمنين بمشروع الرئيس رفيق الحريري، وكانت أقصى أمانيهم أن يكون تمام سلام والمقاصد بتاريخها ـ لأن أهل بيروت أوفياء لزعامات بيروت التاريخية ـ في لائحة واحدة مع الرئيس الشهيد، ولم تأتِ الرياح موافقة فخاضها تمام بك منفرداً واخترق لوائحها حرصاً من البيارتة على دارة آل سلام صاحبة الفضل في استقلال لبنان الأول..
عام 2000 كان كيل أهل بيروت قد طفح بعدما مورست بحق الرئيس الشهيد أعتى حملات التشهير والتهديد التي نفذها عهد "الزلمي" الأسود منذ وضعته الوصاية خادم مصالحها الأمين على كرسي الرئاسة!!
يومها صمت "البيارتة" كان غضباً شديداً دفعهم إلى اتخاذ قرار صامت وصلب، والبيارتة تلتقي أفكارهم بصمت لأن مشاعرهم واحدة لا يخططها ولا يحركها لهم أحد، ذهبنا إلى الصناديق ونصب أعيننا الثأر لكرامة الرجل الذي تعرّض لما تعرّض له من أجل لبنان وبيروت، كان همّ "البيارتة" الأكبر يومها ردّ اعتبار الرئيس الشهيد، وتلقين رئيس أولى حكومات العهد الأسود ـ الساكت عن حق بيروت ورفيق الحريري وكل ما تعرضوا له ـ درساً ليكون عبرة لمن يخرج على إرادة أهله ويبيعهم من أجل أن ترد إليه كرسي الوزارة الروح، وكان صمت أهل بيروت مدويّاً، في وجه "الزلمي" وصانعوه ومن وراءهم!!
عام 2005 كانت الحملات على أشدّها على رفيق الحريري وأيقن الذين يريدون إزاحته أن لا قوة سترد أهل بيروت عن إيصاله وباكتساح كبير لتضعه فوق رؤوس ظالميه، رفيق الحريري كان كرامة البيارتة وقلبهم وجامع شتات "الطائفة السُنيّة" التي حرصت الوصاية أن تظل شتاتاً، لأنها الطائفة الأكثر رفضاً لأي وصاية أو تبعيّة منذ زعيم الاستقلال الأول الشهيد رياض الصلح الذي كان قدره أيضاً الاغتيال، وفي 14 شباط 2005 خيّل لنا أن العالم انهار تحت أقدامنا، وشعرنا أن السموات أطبقن على الأرضين ونحن بينهما مسحوقين وأظلم نهار بيروت وازداد ليلها سواداً وغربة وفراغاً ومجهولاً.. انتخابات العام 2005 كانت أمانة في أعناق أهل بيروت وفاء لدماء الرئيس الشهيد الذي افتدى حرية واستقلال لبنان بحياته.. أما انتخابات العام 2009، فهيهات أن تكون كسابقاتها، إنها أبعد بكثير من كلّ ما سبقها..
انتخابات العام 2009، انتخابات كرامة بيروت وأهل بيروت وأمان بيروت واستقرار بيروت وردّاً على الذي استباحوها وما زالوا يهوّلون على أهلها ويهددونهم ويخونونهم، ويضمرون لها حقداً دفيناً لا نعرف له عذراً ولا سبباً.. بيروت لا تنسى، بيروت لا تحقد ولكنها لا تسامح، وبيروت تعاقب وتقتصّ من كلّ معتدٍ وقح على حرماتها وأهلها وبيوتها ومساجدها وأحيائها..
وهذه المرة أهل بيروت ليسوا محتاجين لمن يذكرهم بـ 7 أيار وما فعله الغدر بهم، لأنهم بالكاد تجاوزه وردّوا صفعة الخوف والترهيب إلى وجوه صانعيها عندما نزلوا بصمت شديد من كل صوب وتدفقوا في شرايين ساحة الحرية وفاء لرفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز واستقلال لبنان وسيادته وحريته.. انتخابات العام 2009 ستكون يوماً للتاريخ ليست ثأراً، فأهل بيروت الثأر ليس في بنية أخلاقهم وقيمهم الدينية ولا أعرافهم الاجتماعية، بل هم أهل تقوى ويدركون المعنى القرآني "لكم في القصاص حياة"، هذا إن كان من بغى عليهم بقوة سلاحه "من أولي الألباب"..
7 حزيران هو يوم فصلٌ في حياة بيروت، لأنها ستقول لكل من اعتدى وبغى وطغى عليها وتجبّر ظناً منه أن أهلها يخافون أو يخضعون أو هم خانعون، وسيكون 7 حزيران يوم فصل في حياة بيروت لأنها "أم الشرائع" وحاضنة أول مدرسة حقوق في التاريخ منذ حضارة الرومان، بيروت لا تثأر بل تحق الحق، والحق فيها صوته عالٍ جداً، وكل باطل وجبار طغى عليها إلى زوال.. 7 حزيران يوم فصل في حياة بيروت، فهذه المرة يريد أهلها أن يقولوا للذين ما زالوا يتوهمون أن "خدّ بيروت معوّد عاللطم" لا، لم يعد كذلك، الزمن تغير وتبدل، وبيروت وأهلها ما بعد 14 شباط 2005 و2009 وبيروت وأهلها ما بعد 7 أيار 2008 غيرها تماماً ما قبله، والموعد صناديق الاقتراع..