#adsense

السادس من ايار… عرس الدم والشهادة

حجم الخط

السادس من ايار… عرس الدم والشهادة

قوافل كبيرة وعديدة من الشهداء الصحافيين في مختلف دول العالم، دفعوا ارواحهم، ثمن تأدية واجباتهم المهنية بشجاعة وتجرّد، اثناء نقل الحقيقة بالكلمة والصورة، لتكون هذه الحقيقة، شاهداً اما عــلى الظلم والطغيان، واما على الشجاعة في مواجهة الظلم والطغيان.

وهناك قوافل كبيرة ايضا من الشهداء الصحافيين، سفكت دماؤهم، وكسرت اقلامهم، وغيّـبت اصواتهم، لانهم ارادوا ان يعيشوا احراراً، كراماً، مرفوعي الرأس، في وطن حــر سيد، مســـتقل، لا تدنسه قدم غريبة، ولا يحكمه خونة متآمرون.

شهداء القوافل الاولى، هم شهداء الواجب المهني، أما شهداء القوافل الثانية، فهم شهداء المقاومة الوطنية الذين شهروا اقلامهم، في وجه الاحتلالات، وخنق الحريات، ودوس الكرامات، وفي وجه الجلاّدين، وزنزانات التعذيب وممارسات القهر، وليس صدفة ان الاكثرية الساحقة من شهداء الصحافة في لبنان، كانوا من فريق المقاومة الوطنية، لأنه كتب على شعب هذه الارض المقدسة الطيّبة، ان يواجه منذ قرون وعقود، الاطماع، والاحقاد، والغزوات الهمجية، والمحاولات المستميتة، لقهر عنفوان اللبنانيين وهوسهم بوطنهم وحريتهم واستقلالهم، وربما كان الشعب اللبناني، من الشعوب القليلة التي دفعت الدم ثمناً لكل حفنة تراب من هذه الارض الصغيرة بمساحتها، الكبيرة بتراث شعبها وقيمه وبطولاته.

لو استعرضنا شهداء الصحافة منذ خمسين سنة حتى اليوم، لوجدنا ان حوالى عشرة من عيون الصحافيين الذين كانوا الابرز على الساحة الاعلامية والوطنية، حصدتهم آلة القتل بدم بارد، لانهم كانوا شهود الحق في محاكمة سلطات القمع وانظمة الاستبداد، وكنا وجدنا ايضاً ان العشرات من العيار ذاته يصنّفون في خانة الشهداء الاحياء، او في خانة سجناء النضال في سبيل اطلاق الحرية من وراء قضبان الحكام الفاسدين او قضبان اسيادهم واولياء نعمتهم، وهؤلاء كلهم، بالشجاعة التي حبلت بها اقلامهم، وبالايمان الذي عمرت به صدورهم، وبنور الشهادة الذي شّع من دمائهم، هم معنا، ورفاق دربنا وهدايتنا وقبلة توجهاتنا، قبل 6 أيار وفي 6 أيار وبعد 6 أيار، واي اهمال، او تراجع او تخاذل، او مساومة على الأغلى الذي اعطوه من دون تردد، نكون وكأننا نغتال شهداءنا مرة ثانية، او نكون خونة في حق القضية التي جاهدوا واستشهدوا من اجلها، ومن هذا المنطلق تحديداً لا ارى افضل من جملة «يا عيب الشوم» اصفع بها وجه الحكومات التي سقطت في امتحان الوطنية عندما شطبت عيد الشهداء من روزنامة اعيادنا، التي هي في معظمها اعياد دينية قائمة على قاعدة 6 و6 مكرر، ولم تجد مكاناً لأطهر المناسبات وأنقاها وأشرفها، عيد الدم والشهادة في سبيل الوطن.

* * * * *
قرأت في احد الكتب، شهادة اعطتها أمّ وزوجة من بلادي، تستحق ان تنال من دولتها وساماً تطلق عليه اسم «وسام الام البطلة»، فهذه الام الخارقة التي يخشع الانسان امام جبروتها ووطنيتها وصلابة ايمانها، خسرت في الحروب التي شنّها مجانين العظمة، زوجها وابناءها الثلاثة وابنتها، وهم يتصدّون لمن حاول استباحة استقلال لبنان وسيادته وحريته، ولمن حاول الغاء فريق من اللبنانيين، كان رأس الحربة في المقاومة اللبنانية ضد اعداء لبنان.

دماء هؤلاء الابطال، ودماء عشرات الالوف غيرهم ممّن استشهدوا دفاعاً عن هذه الارض، امتزجت بدماء شهداء الصحافة، لتشكّل معاً سدّاً عالياً من التضحيات، يحمي لبنان من غزوات الطامعين به، ويكون في ذات الوقت النبع الذي يستقي منه اللبنانيون روح النضال واليقظة لتفشيل محاولات اخذ لبنان الى غير نظام وغير بيئة وغير دستور، وغير ثوابت واهداف.

اكثر ما يمكن ان يسيء الى الشهيد في هدأة استراحته في حياته الثانية، ان يشهد خيانة المبادئ التي استشهد من اجلها، وخصوصاً من الذين استفادوا من دم الشهيد ليبنوا عليه زعاماتهم المدعّمة بأيدي من قتل الشهداء.

واكثر ما يثير غضب الشهيد، ان يرى رفاق دربه، يتجاهلون القضية الأم، وينسون الأثمان العالية التي دفعت من اجل تحقيقها وصيانتها، للتهافت على مكاسب آنية واوهام، سرعان ما سوف تتبدد امام هجمة اعداء الدولة والسلام والاستقرار، اذا نجحوا في ضرب مسيرة الحرية وتعطيلها.

الخلود لشهدائنا، والمجد للبنان، والنصر لأبناء الحياة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل