الجمهورية الأولى حكمتها المارونية السياسية والثانية حكمتها الوصاية السورية
"الجمهورية الثالثة" الموعودة ستُحكم بالأصالة أم بالوكالة ؟
ماذا تعني الدعوة الى قيام "جمهورية ثالثة" التي لم يعرف اللبنانيون منها حتى الآن سوى العنوان على لوحات اعلانية؟ هل تكون جمهورية نقيض الجمهورية الاولى التي انبثقت من الاستقلال عام 1943 او نقيض الجمهورية الثانية التي انبثقت من اتفاق الطائف عام 1989 في انتظار معرفة شكل هذه الجمهورية الثالثة التي يقولون انها ستكون هذه المرة ثابتة… ولا شيء ثابتاً خصوصاً في لبنان؟
سياسي مخضرم عايش هذه الجمهوريات على مدى عهود وشرح المراحل التي مرّت بها قائلاً: ان الجمهورية الاولى التي قامت على اثر اعلان استقلال لبنان عام 1943 نقلت صلاحيات المفوّض السامي الفرنسي الى رئاسة الجمهورية بحيث اصبح بفضل هذه الصلاحيات الواسعة التي اساء بعض الرؤساء استخدامها "ملكاً على جمهورية" كما يصفه الرئيس سليم الحص. ورئيس الحكومة "باشكاتب" كما كان يصفه بعض الزعماء المسلمين الذين ضاقوا ذرعاً بسوء استخدام هذه الصلاحيات، وراحوا ينتظرون الظرف الملائم لاعادة النظر فيها، في حين كان الزعماء المسيحيون يعارضون ذلك ويعتبرون الدستور مقدساً لا يمس لئلا يخسرون بعض هذه الصلاحيات.
وقد سميت تلك الحقبة من الاستقلال التي حكم فيها رؤساء الجمهورية بصلاحيات واسعة، بحقبة "المارونية السياسية" الى ان قامت الحروب الداخلية بهوياتها المختلفة ودامت 15 سنة. وقد بدأت بحرب السنتين بين مسلحين لبنانيين ومسلحين فلسطينيين ولم تنته الا بدخول القوات السورية الى لبنان وبالاتفاق على ما عرف بـ"اتفاق الطائف" الذي اصبح دستوراً بحيث قامت "الجمهورية الثانية" على اساسه، وهي الجمهورية التي نقلت بموجب الدستور الجديد، معظم الصلاحيات من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً بحيث لا يعود الحكم شبه رئاسي بل يصبح حكماً جماعياً وبمشاركة كل العائلات الروحية. وحدد الدستور الجديد بموجب المادة 65 اصول تحقيق هذه المشاركة وذلك بتحديد المواضيع الاساسية وعددها 14 التي يحتاج اقرارها الى موافقة اكثرية ثلثي اعضاء الحكومة اذا تعذّر التوافق عليها.
وقد تبيّن من خلال الممارسة ان سوريا التي ساهمت في وضع اتفاق الطائف، خصوصاً لجهة صوغ نصوص ملتبسة لموعد انسحاب قواتها من لبنان، ولتطبيق عدد من مواد الدستور باشتراط الاتفاق على ذلك بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، كي تكون هي الطرف الذي يتدخل لحسم كل خلاف تارة لمصلحة هذا وطوراً لمصلحة ذاك بحسب مصلحتها، كما تبين ان سوريا حكّمت المسلمين وتحديداً السنة بموجب الدستور. لكنها كانت هي التي تحكم في الواقع بغطاء منهم اذ لم يكن في استطاعة رئيس الحكومة المكلّف تشكيل اي حكومة من دون العودة الى القيادة السورية سواء في دمشق او في عنجر، كي يكون لسوريا في كل حكومة وزراء لها وكان بعضهم يوصفون بالوزراء "الثوابت" الذين يفرضون في كل حكومة يتم تشكيلها. وعندما لم تكن الحكومة على المستوى المطلوب في اتخاذ القرارات المهمة، ابتكرت سوريا ما سمي "الترويكا" التي تضم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة. فصار ما يتفقون عليه يبصم عليه الوزراء ومن ثم النواب وما يختلفون عليه يجمد اتخاذ قرار في شأنه مما عرّض عمل المؤسسات للشلل.
واذا كان المسلمون قد شعروا خلال هذه الحقبة من الوصاية السورية بأن الحكم بات لهم وان بالوكالة، وشعر المسيحيون بالتهميش اذ صار من يمثلهم في الحكم يمثل الارادة السورية وليس ارادة بيئتهم ومحيطهم خصوصاً مع انتخابات لم تؤمن التمثيل السياسي الصحيح لشتى فئات الشعب، طيلة مدة الوصاية السورية. بحيث لم يكن في الامكان وصف تلك الحقبة بحكم "السنية السياسية" بعد انتهاء حكم "المارونية السياسية" بل يمكن وصفها بحكم "السورية السياسية" في لبنان بغطاء سني. وهذا يطرح السؤال الآتي: لمن سيكون الحكم في حال قامت "الجمهورية الثالثة" على انقاض "الجمهورية الثانية"؟
ثمة من يقول ان الحكم فيها سيكون "للشيعية السياسية" التي باتت ترى ان يكون لها دور بحجمها، وان اتفاق الطائف اعطاها دوراً دون هذا الحجم، وان لا مانع من اعادة بعض الصلاحيات الى رئاسة الجمهورية، ارضاء للمسيحيين اذ ان استخدام هذه الصلاحيات سيكون خاضعاً لارادة "الشيعية السياسية" ووراءها ايران، كما كانت الصلاحيات التي منحها دستور الطائف لرئاسة الحكومة ولمجلس الوزراء مجتمعاً يخضع استخدامها للوصاية السورية…
الى ذلك، فإن الدعوة الى قيام "جمهورية ثالثة" هي دعوة للدخول في المجهول او للدخول في حرب داخلية جديدة تسبق غالباً قيام كل جمهورية جديدة، ولم تكن ولا مرة ثابتة ولا دائمة، لان لبنان يعيش على خط الزلازل والازمات، وبات اشبه بمكب لمشكلات المنطقة التي لا تحل الا بجعل فئة لبنانية تقوى على فئة واذا اوصلتها الى الحكم، فلكي لا تحكم بل لتتحكم بها…