يكفي أنهما رسما صبيحة 6 أيار 2008 الأفق السياديّ لحلّ المشكلة المستعصية والمستفحلة
قراران تأسيسيّان ومستقبليان
انتهت أحداث أيّار من العام الماضي إلى صلح مكتوب وتهدئة غير مستقرّة. وعلى الرّغم ممّا خلفته تلك الأحداث المشؤومة من شقاق أهليّ غير مسبوق بين اللبنانيين، ومثّلت أكبر تهديد من نوعه للكيانية والهوية اللبنانيتين منذ نهاية الحرب الأهلية "الكبرى"، إلا أنّ المشهد السياسيّ المتشكّل في أعقاب السابع من أيّار بدا أقرب، في مجموعه، إلى الحكم السلبيّ على العملية الأمنيّة، حيث اقتصرت الأوصاف الإمتداحية والتبجيلية لها على غلاة بعينهم، وهؤلاء لا يعرفون مهنة غير التوتير. المهمّ أنّ من أعطى الأمر بالعملية ما عاد يتبنّاها علناً أو بشكل رسميّ، بعد أقلّ من عام على تنفيذها، وإذا أتفق أن تطرّق إليها في معرض سجال حول موضوع آخر فإنّه يحصرها في نطاق "ردّة الفعل" على قرارين "متسرّعين" للحكومة.
يمكن التفاؤل إذاً بأن الحكم السلبيّ العام على 7 أيّار، أخلاقياً وسياسيّاً، يفرز بداية إجماع جديد بين اللبنانيين، وهو أمر عبّر عنه إتفاق الدوحة بعد 7 أيّار مباشرة. فهذا الإتفاق مسكون بالحكم السلبيّ على لجوء طرف بعينه إلى الزجّ بسلاحه في اللعبة الداخلية، ويكفي أن يتعهد هذا الطرف بموجب هذا الإتفاق بأنّه لن يعاود الكرّة كي يكون الحكم على إستخدامه السابق للسلاح سلبياً.
مع ذلك، ينبغي عدم الذهاب في التفاؤل بعيداً، لأنه وإن كان ثمّة غلبة واضحة للحكم السلبيّ الأخلاقيّ والسياسيّ على عملية 7 أيّار، فإن هناك نوعاً من التسليم بأنّ هذه العملية استطاعت أن تنتزع بقوة العسف والسلاح ما أرادته لنفسها من مطالب سياسية، إبتداء من تراجع الحكومة عن قراريها ووصولاً إلى تحصيل "الثلث المعطّل".
كيف يستقيم إذاً بناء إجماع وطنيّ على الموقف السلبيّ العام من أحداث 7 أيّار مع وجود قناعة عامة متعدّدة الأشكال بأن هذه الأحداث استطاعت فعلاً أن تحقّق ما تريده وبالطرق غير المشروعة؟
ليس هذا مجرّد سؤال نظريّ عام. إنّ له مدلولا عمليّا محدّدا تماما: كيف يعاد بناء المشهد السياسيّ اللبنانيّ بحيث لا يعود تكرار 7 أيّار ممكناً؟
بالنسبة إلى أوساط 8 آذار فإن الجواب واضح. فهذه الأوساط ترى أنّه مهما كان الحكم السلبيّ على 7 أيّار مبرّراً، فإن "الخطيئة الأصلية" تتحمّلها الحكومة اللبنانية و14 آذار مع تبنّي القرارين الشهيرين بشأن جهاز أمن المطار وشبكة الإتصالات.
على هذا الأساس تقترح 8 آذار مشروعاً لإعادة صياغة الإجماع الوطنيّ: الحكم السلبيّ العام على كل من القرارين الحكوميين وعلى ردّة الفعل عليهما.
بيد أنّه شرك خطير ينصب ليس فقط لـ 14 آذار، وإنما أيضاً لإحتمالات إنبثاق إجماعات وطنية جديدة في مرحلة ما بعد 7 أيّار.
وهذا الشرك تتورّط فيه 14 آذار كلّما كانت تصرّ على إدانة عملية 7 أيّار "بقطع النظر" عن القرارين الحكوميين، كما لو أنّها كانت تنتقد "الإفراط في العنف" ضدّها، وليس فقط "إستخدام العنف".
والحقّ أنّ أي مراجعة جديّة للإختلال في التوازن على الصعيد الوطنيّ بعد 7 أيّار لن يكون متيسّراً إلا عندما يعاد الإعتبار، في أوساط 14 آذار، إلى أهميّة هذين القرارين "المتعجّلين"، وإعادة إكتشاف طبيعتهما التأسيسية: يكفي هذين القرارين أنّهما قدّما بداية خارطة الطريق لحلّ المشكلة المستعصي حلّها حتى الآن، وحتى أجل غير مسمّى على اللبنانيين، وهي مشكلة مستعصية قدر ما هي مستفحلة، أي أنّه لا يمكن للبنانيين غضّ الطرف عنها، وما داموا يجدون انفسهم دائماً في مواجهتها فهذا يعني أنّه لا خلاص لهم إلا بمحاولة حلّها.
ذات يوم قال كارل ماركس ان "البشر لا يطرحون إلا المشاكل التي يمكنهم حلّها". وقال بعد ذلك ما معناه انّ حلّها يأخذ وقتاً، ووقتاً طويلاً جداً. يصحّ ذلك بشكل رئيسيّ، بالنسبة إلى القرارين الحكوميين الشجاعين، أي لإرادة الإشراق التي بزغت يوم 6 أيّار. أيّ نعم كان القراران بحاجة لمن يدافع عنهما بشكل أفضل، ولمن يشرحهما للناس بشكل يشرح فيه ضرورتهما الحياتية والوجودية لأكثرية اللبنانيين، إلا أنّ عدم حصول ذلك، وعناصر الضعف والعجز الكثيرة في الجسم الإستقلاليّ، لا تلغي الحقيقة الأساسيّة، تلك التي تعيد تقارير الأمم المتحدة الإعتبار لها اليوم، وهي أنّ قراري الحكومة بشأن جهاز أمن المطار وشبكة الإتصالات العام الماضي، كانا قرارين مسؤولين لأنهما كانا أكثر القرارات سيادية في تاريخ "الجمهورية الثانية".
وبعد، فإن قيمة هذين القرارين، وحتى عندما ينصرف الإستقلاليون اليوم عن الدفاع عنهما، أنّهما قراران لا ينتهي مفعولهما عندما تسحبهم الحكومة الشرعية تحت قوة السلاح، وعلى أمل إنتشال البلاد من آتون الحرب الأهلية غير المتكافئة.
ثمّة بعد كل هذا أمر ما زال يقضّ مضاجع الأوضاع غير الشرعية في هذا البلد. إنّه شبح القرارين التأسيسيين، الشجاعين، السياديين، المتسرّعين، أي المستقبليين.