الجنرال يطمح باسترداد جزين الى استعادة قوة خسرها في جبل لبنان
عون وبري: صراع يهزّ صورة 8 آذار ويفتح الباب على تموضع جديد بعد 7 حزيران
واخيراً حقق العماد عون انجازاً يمكن وصفه بانه يتعدى قوة القنبلة الصوتية فهو استطاع ان يسترد جزين من الرئيس نبيه بري لكن السؤال هل سيكون هذا الاسترداد مقدمة لكي يسترد العماد عون نفسه من نفسه وهل يعود العماد عون الى العماد عون بعد ان سجل تحدياً انتخابياً على جانب كبير من القوة المعنوية؟ لا يشك اي مراقب بان الاستمرار العجائبي لاحتفاظ ميشال عون بجزء لا بأس به من قوته الشعبية يعود لاسباب عدة متشابكة اولها واهمها ان الرجل يعرف كيف يوقظ دائما غريزتين اساسيتين في الوجدان المسيحي وهما غريزتا الخوف الوجودي الدائم والرعب من تلاشي القدرة وثانيهما وهي الوجه الآخر للاولى غريزة السعي الى استعادة الموقع من باب القدرة العددية في مجلس النواب ومن باب العمل على ايصال رئيس قوي (كالعماد عون) يغضب ويههد ويصارع ليقول ان موقع الرئاسة هو الموقع الاقوى في تركيبة التعدد الطائفي اللبناني الذي يشبه البحر الهائج.
والى جانب اثارة الغرائز اتقن العماد عون وخصوصاً عبر اعلامه الغوبلزي فناً جديداً في السياسة اللبناية وهو من حقن الرأي العام بجرعات غير مدروسة من الاحقاد والموعد كل ليلة في مقدمة بنشرة اخبار تلفزيون عون فهذه المقدمة التي تباهي باستخدام الشتائم ونبش القبور وتمجيد الذات العونية بشكل بات يتراءى للمتلقي وكأن هناك طائفة تاسعة عشرة قد ولدت وان نبياً لهذه الطائفة بات يقودها مجترحاً كل يوم اعجوبة جديدة.
ويتركز الخطاب الذي يحمل في طياته اثارة واضحة للفتن الطائفية على هذا الطرف او ذاك ولكل طرف نصيبه ففي التعامل مع الاطراف المسيحية تذكير دائم وانتقائي بالماضي والمجازر فاثارة مجزرة اهدن «ربيحة» شعبياً في حين لا يتم ذكر مجزرة الصفرا او السبت الاسود لان لا مصلحة للعما دعون بان يدق مباشرة بمن مجده في كل خطاباته (الشيخ بشير الجميل).
اما بالنسبة للطوائف الاخرى فيتقدم الصراع بين عون والضريح الى ما عداه فهذا الضريح الذي اكتسب هالة دمغها العماد عون بنفسه بدمغة تاريخية عندما وضع عليه بعد عودته من باريس اكليلا من الورود في اعتراف واضح بان استشهاد الحريري غير مجرى التاريخ في لبنان، اما اليوم فان الصراع مع الضريح بات يأخذ شكلا جديداً لان عون يدرك ان لديه القدرة على ترجمة هذا الصراع في الوسط المسيحي الى زخم انتخابي.
لانه استطاع ان يعبئ هذا الشارع وان يخلق له قضية اسمها الخوف من الاستئثار السني.
لا يبدو ان ما حصل بين عون وبري كان وليد مؤامرة شكلية تتيح تقوية حظوظ عون مسيحياً واسترداد قوته التي اخذها في العام 2005 بفعل تصويره وكأنه «البطل» القادر على نيل مكاسب لطائفته ولو عبر الصراع مع حلفائه،لا يبدو كذلك لان عمق الازمة بين عون وبري مرتبط بالادوار المقبلة لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية فالعماد عون يعتبر انه ليس مضطرا لتحمل وزر التحالف مع بري لان هذا التحالف يضع شوكة في خاصرة مشروع العماد عون فهو ان نسى فان قاعدته لن تنسى ما كان يقوله عن «الاستاذ» وعن مزرعة عين التينة.
كما ان عون الذي يعتبر نفسه مطهرا لحلفائه وخصومه ومعبرا اجباريا بين الجنة والنار لن يتبرع بشطب بري عن القائمة الخاصة التي وضعها «للفاسدين» وهي قائمة تتعرض للتعديل والتنقيح المستمر، فلقد دخل النائب ميشال المر المطهر العوني في العام 2005 واخرجه عون مستذكرا اليوم ماضيه، اما بخصوص بري فان عون ينام في علاقته معه على ضيم دفين عنوانه رفض بري لترقية عون من منصب دولة رئيس الى موقع فخامة الرئيس وهذا ما لا ينساه الجنرال المستعد لان يغفر كل الخطايا الا تلك التي تتعلق بجرم منعه من الوصول الى بعبدا.
فالجنرال ضبط بري متلبسا من الدوحة بطبخ الحل الذي على اساسه انتخب العماد سليمان رئيسا وهو اليوم يضبطه بالجرم المشهود بمد جسور التفاهم مع وليد جنبلاط في البقاع الغربي كما انه يضبطه، وهذا هو الاهم بجرم احتضان الرئاسة الاولى، وصياغة علاقة مع الرئيس سليمان قد تعني الكثير في مرحلة ما بعد الانتخابات.
في احدى ثورات الغضب واثناء التفاوض غير المباشر بين عون وبري تسرب من عند الجنرال موقف وصل الى بري مفاده ان نبيه بري بعد تمريره الاتفاق على التشكيلات القضائية بات يمكنه الاعتماد على كتلة القوات اللبنانية لاعادة انتخابه رئيساً للمجلس وقال: «خلي القوات ينتخبوه» رئيس مجلس ووصلت هذه الاشارة الى بري وهي تعني ان العماد عون لم يتخذ قراره بعد في انتخابات رئاسة المجلس والجنرال ربما يريد ان يتأكد قبل التصويت لبري في رئاسة المجلس انه سيكون مطواعا في مواضيع كثيرة اهمها ما يتمنى عون القيام به كأولوية وهو تعديل الطائف في الطريق الى تحقيق الجمهورية الثالثة وهي امنية غالية لا يمكن ان تتحقق الا عبر تفجر الصيغة اللبنانية واعادة صراع الطوائف الى نقطة الصفر فهل هذا ما سيسعى اليه عون بعد الانتخابات ام ان جدول الاولويات يتضمن ظهور مفاجآت تتعلق بالرئاسة الاولى، بالمثالثة ام بتغير صيغة النظام؟ سيكون سعي عون لاحداث انقلابات كبرى في التركيبة اللبنانية اذا فاز في الانتخابات مفاجأة لا يجب ان تفاجئ احداً.