#adsense

7 أيار وسياسة الهروب إلى الأمام

حجم الخط

لأن خطابه قائم وأهدافه العملية والاستراتيجية مستمرة
7 أيار وسياسة الهروب إلى الأمام

تحل الذكرى الأولى لحوادث 7 أيار 2008 فارضة نفسها بقوة وضغط على الحياة السياسية، إن لناحية الدوافع أو الخطاب الحزب إللهي المستحضر والمهدد دوماً بإعادة انتاج ظروف تلك المرحلة، والأهم من كل ذلك بقاء الأهداف العملية والاستراتيجية لذلك "الاجتياح". ولا مبالغة في القول ان ثمة خوفاً متزايداً في البلد على مصير السلم الأهلي والعمل الديموقراطي. ويتركز هذا الخوف على مرحلة ما بعد 7 حزيران المقبل. لكن، في المقابل، لا مناص من التأكيد على ان ما حصل قبل سنة تماماً إنما هو جريمة في حق اللبنانيين جميعاً وعيشهم المشترك وسلمهم الأهلي وقبل ذلك وبعده بحق دستورهم ودولتهم. جريمة لن يطويها النسيان بسهولة، ولن تغير من حقيقتها محاولات التقليل من شأنها أو التظاهر وكأن شيئاً لم يحدث.

عناوين متغيرة لمواجهة قائمة

من نافل القول إن ما حصل في 7 أيار 2008، كان في ظاهره هجوماً ميليشياوياً ممنهجاً لفرض إغلاق العاصمة وترهيب أهلها بالقوة، وكان إذكاء لنار الفتنة المذهبية، وأتى ليؤكد الطبيعة الانقلابية لقوى معينة. إن استعادة سريعة لوقائع ذلك اليوم، لا تؤكد الخلاصة السابقة فحسب، بل تعيد إلقاء الضوء على السعي المتوتر لحزب الله الى فرض وصايته ولو على أنقاض الدولة، ولو كلّف ذلك حرق البلد أو حرباً أهلية جديدة في لبنان.

دع عنك كلاماً كثيراً واصبعاً مرفوعاً وعنفاً كلامياً عن عمليات نظيفة وموضعية. "حزب الله" لم يقدم "روايته الرسمية" لما جرى. دوافع سياسية وخلفيات وأسباباً ونتائج وغايات، بل وحتى تفصيلاً للتكتيكات العسكرية والأمنية التي اعتمدها لترهيب العاصمة واغلاقها واخضاعها، بل هو موغل في خطاب الغاء الآخر، في الاستنفار الكيدي نحو الداخل وضده، في لغة التخوين والاتهام التي استخدمت سابقاً وكانت ذروتها 7 ايار 2008. فقبل نحو اسبوع جرى الكشف عن شريط يتضمن خطاباً سياسياً انتخابياً لرئيس كتلة نواب "حزب الله" محمد رعد يحدد هدف المعركة الانتخابية بـ "ذهاب السلطة" التي تمثلها الأكثرية بوصفها "مشروعاً عدوانياً". وأول من أمس، عاد النائب نفسه ليعلن "اننا في الانتخابات ضد المعتدلين الذين يحملون المضمون الإسرائيلي".

اليوم، وبعد سنة على غزوة بيروت، المواجهة لا تزال مستمرة، "حزب الله" يعلن تمسكه باتفاق الدوحة ناظماً للحياة السياسية بما هو تكريس لبدعة خارجة عن الدستور، أي الثلث المعطل، مع مزحة سمجة مفادها ان 8 آذار ستمنح 14 آذار ثلثاً معطلاً ان هي نالت الأكثرية النيابية، في مقابل تمسك 14 آذار بان مفاعيل اتفاق الدوحة تنتهي يوم 8 حزيران ويكون قد أدى دوره "الاستثنائي" وبالتالي يجب العودة الى مقتضيات العمل السياسي وفق القواعد الدستورية ومسلمات اتفاق الطائف وأصول اللعبة الديموقراطية.
إذاً، 7 أيار مستمر عملياً بأهدافه السياسية المذكورة، وهو أيضاً مستمر بأهدافه الاستراتيجية وفي طليعتها تهميش الدولة وسلطاتها ومؤساتها والأعراف التي أرساها الطائف، وأبرزها تكريس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

اهتراء الصورة وصعوبة الترميم

لاضرورة للقول إن أحداث 7 أيار 2008 كشفت وجهاً آخر لـ"حزب الله". وجه قدّم كمّاً كبيراً من التناقضات والالتباسات التي يلجأ الحزب الى تبريرها معتمداً على العنف اللفظي أو الشعارات الفضفاضة، وما الاحتفاء بخروج الضباط الأربعة والإعلان عن الرفض المسبق لأي قرار يصدر عن المحكمة الدولية، إلا محطات في سلسلة طويلة، لكن الأهم من كل ذلك، أن ممارسات الحزب أظهرت بوضوح ان "المشروع المقاوم" فقد مسوّغاته ومشروعيته منذ العام 2006 أي بعد القرار الدولي 1701، فراح يقدم صورة الحزب ـ الميليشيا المذهبية المندفعة الى الفتنة، ولا أحد يدري ما هي مصلحة الحزب في أن يقدم نفسه بهذه الطريقة؟ ولماذا يصرّ على تسعير الفتنة المذهبية في لبنان؟ ولماذا يتعامل مع الأكثرية بوصفهما "عدوّاً" لا خصماً؟ وبمعنى أدق، ما هي مصلحته في استعداء الداخل اللبناني في لحظة اقليمية متوترة ومليئة بالمعطيات المتسارعة والمتضاربة ان على الصعيد الايراني الاميركي أو السوري الاسرائيلي وفي جميع الحالات، تفترض هذه التطورات ترميماً للصورة في الداخل لا مزيداً من الاستعداء والاستقطاب بما يحمي الحزب أن يكون محطة على أي طريق تفاوضية.
لكن ما هو ظاهر حتى الآن، وفي غياب مفاهيم من مثل "المرونة" و"التكيّف" و"التموضع" و"التكتيك" عن ممارسات الحزب وسلوكه، يبدو واضحاً أنه يتقن سياسة الهروب إلى الأمام دافعاً الى مزيد من التصعيد والتأزيم.

الحريري والجمهورية الثالثة

أخيراً، لم يترك خطاب النائب سعد الحريري أول من أمس، وبالرغم من الجراح التي يشعر بها من جراء "جنون العام الماضي الذي كان فخاً لايقاعنا في لعبة الدم ونقلنا الى خارج الطائف، الى جمهورية المثالثة المرفوضة"، شكاً بأن "تيار المستقبل" وزعيمه ماضون في الوظيفة التاريخية والوطنية لهذه الزعامة، أي "البقاء على مسيرة الدولة والشرعية والطائف والعدالة والاعتدال، وعدم الانجرار الى فخ السلاح والفتنة والحرب الأهلية"، برحابة أفق المواطنية مشتركاً جامعاً بين اللبنانيين، وأنه كما كان يوم 7 ايار 2008 هو اليوم وغداً، على هدي والده الشهيد، لن يكون غطاء لأي سلوك يناقض هذه القيم والمفاهيم.

لكن الموضوعية تقتضي التأكيد ان استمرار الفريق الآخر في حملات التهويل والتهديد والاتهام والتخوين والتلويح بـ 7 ايار جديد.. كل ذلك يجب أن يشكل حافزاً للجمهور الاستقلالي لاعادة تأكيد خياراته في 7 حزيران، اذ الخسارة في هذا الاستحقاق المصيري الى كونها مما يستحيل تعويضه، هي في بعض وجوهها أشد خطراً مما جرى قبل عام.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل