جبيل بين الفوز المؤكد والتحالفات الصعبة
8 آذار تفكّك صفوف معارضيها بنجاح
كتب بيار عطاالله:
مع اعلان لائحة المستقلين او انصار العهد في دائرة جبيل تكون بورصة اللوائح رست على ثلاث: الأولى لتحالف 8 آذار وتضم العونيين و"حزب الله"، والثانية للمستقلين وثالثة لم تكتمل وقد تبقى كذلك وتضم تحالفاً بين 14 آذار وشخصيات مستقلة قريبة من الرئيس وخط "ثورة الأرز". لكن السؤال الكبير الذي يشغل المتابعين لأوضاع دائرة جبيل هو مدى الحكمة الكامنة من وراء بعثرة القوى المناهضة لتحالف 8 آذار وفرصة الفوز التي تقدم اليه على طبق من فضة على ما يقال، نتيجة لحسابات ومقاربات يبدو بعضها طبيعياً وبضعها الآخر هجيناً ولا ينسجم مع واقع الحال في الدائرة المحسوبة بمثابة حديقة خلفية للقصر الرئاسي في بعبدا وشاغله الرئيس العماد ميشال سليمان الذي لم يعد يخفي رغبته في نشوء كتلة مستقلة – وسطية الى جانبه تشد أزره ويستعين بها لحسم النزاعات المتمادية والكباش الذي لا ينتهي بين الافرقاء المتصارعين، مما يترك له هامشاً وان ضيقاً للمناورة والقرار.
لا جواب واضحاً على ما يجري في دائرة جبيل، خصوصاً مع مبادرة المنسق العام لقوى 14 آذار فارس سعيد او المرشح الأقوى في القضاء الى ترك الباب مفتوحاً امام التفاهم مع لائحة المستقلين او انصار العهد الذين يحتاجون الى دعم سعيد وقوى 14 آذار الملتفة حوله في الدائرة من اجل الفوز بالمقاعد الثلاثة وإلا كان الفوز من نصيب 8 آذار وبالمقاعد الثلاثة لا محالة. وتبدو الأمور محسوبة نظرياً لمصلحة 8 آذار، مما يعمم شعوراً بالارتياح لدى "التيار العوني" الذي عمل على اخراج لائحته في جبيل بالحد الأدنى من الأضرار، خصوصاً بعد شطب اسم النائب شامل موزايا عن اللائحة، وسحب اسماء ناشطين كثر كانوا يعدون العدة للنيابة. ويعود ارتياح العونيين الى تحالفهم مع مجموعة مهمة من الناخبين الشيعة المؤيدين لـ"حزب الله"، في موازاة التراجع في حضورهم على مستوى الرأي العام المسيحي وتالياً جمهور الناخبين، وذلك نتيجة اعتبارات عدة في مقدمها التبدل في مزاج الغالبية المسيحية في دائرة جبيل. ويؤكد العارفون بأوضاع القضاء ان التصريحات الاستفزازية التي اطلقها بعض قادة "حزب الله" والنواب القريبين منه عن قدرتهم على انجاح هذا النائب او ذاك في جبيل فعلت فعلها في استثارة العصب المسيحي الجبيلي الذي يجنح عموماً، بتأثير من ثقافته الموروثة، الى التزام تقاليد العيش المشترك والتزاماته، ولا يقيم فارقاً او تمييزاً بين جبيلي شيعي او مسيحي. الا ان هذا الكلام الاستفزازي مضافاً الى عوامل عدة تتصل بالموقف المسيحي العام الرافض لكل سلاح خارج اطار الجيش والتمسك بسلطة الدولة والشرعية ورفض منطق الدويلات والزج بلبنان في سياسة المحاور، واخبار الدوريات المسلحة والمراكز المنتشرة في انحاء جبيل تفعل فعلها في حشد التأييد لكل من يوالي مشروع الدولة ويرفع لواء الدفاع عن رئاسة الجمهورية والكنيسة.
معطيات ومربعات سياسية
لكن الاوساط المتابعة على رغم هذا الكم من المعطيات تؤكد ان الفوز سيكون على الارجح من نصيب تحالف 8 آذار اذا استمرت الفرقة في صفوف مناوئيه، وتعتبر ان الصيغة الأمثل لتغيير هذا الوضع في جبيل كانت يجب ان تتحقق من خلال معادلتين لا ثالث لهما، اولاهما تشكيل لائحة ائتلافية من 14 آذار والمستقلين وتحديداً بين النائبين السابقين فارس سعيد وناظم خوري. وأصبح معروفا وقيل في هذه المعادلة ان المستقلين او انصار العهد تلقوا نصائح من "حزب الله" فحواها ان سعيد خط احمر وان اي لائحة يشارك فيها لن تحصل على اي صوت شيعي من مؤيدي الحزب. وهذه النظرية تقابلها نظرية مضادة تعتبر ان لائحة 8 آذار العونية – "حزب الله" يستحيل ان تفرط باي صوت من ناخبيها لمصلحة اي مرشح ثالث، وتالياً يكون الحديث عن حصول المرشح فلان على اصوات معينة غير منطقي، لأن هذا الأمر سيؤدي في حال العمل به الى خسارة "التيار العوني" مقعداً نيابياً في جبيل، وطبيعي ان العونيين يرفضون ذلك تماماً وكذلك مناصرو كل من المرشحين سيمون ابي رميا والنائب وليد خوري لأنه يعني فتح الباب على صفقة من تحت الطاولة لاسقاط احدهما.
وتقوم المعادلة الثانية استناداً الى المروجين لها على دعوة المرشح فارس سعيد الى الانسحاب لمصلحة لائحة المستقلين وتجيير اصواته لها على قاعدة السعي بكل الوسائل الى اسقاط لائحة 8 آذار ومنع العونيين من الحصول على مقاعد نيابية بأي ثمن. وفي محاذير هذا الرأي اضافة الى ما يمثله سعيد من رمزية على مستوى الرأي العام المؤيد لخط 14 آذار، انه يؤكد المسار السياسي والانتخابي الذي رسمه "حزب الله" لمنطقة جبيل وتمتعه بحق النقض "الفيتو" على المرشحين في المنطقة، مما يعني تحول جبيل مربعاً سياسياً وشبه امني للحزب يضاف الى المربعات الامنية في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع. وفي المقابل يؤكد مناصرو 14 آذار ان سعيد نجح، في عز "التسونامي" المؤيد للحالة العونية خلال دورة 2005، في الفوز بنحو 15 الف صوت في مواجهة النائب موزايا، علماً ان تحالف عون مع "حزب الله" في جبيل كان سبق "ورقة التفاهم" بأشواط وفق ما صرح به لاحقاً الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله الذي كشف التناغم بين الجانبين في جبيل، مما مكن لائحة عون من الفوز على منافسيها هناك.
ويضيف مؤيدو 14 آذار ان احتساب اصوات مؤيدي سعيد مع مؤيدي المستقلين او انصار العهد سيؤدي الى الفوز بالمقاعد الثلاثة في جبيل.
أما رفض التحالف بين المستقلين وسعيد والقول ان لا قدرة للعهد على تحمل اسم فارس سعيد الى جانبه، فترد عليهما 14 آذار بأن انصار العهد تحالفوا مع 14 آذار في بعبدا والمتن وبيروت الأولى، فلماذا لا ينسحب هذا التحالف على جبيل وكسروان حيث تبدو مسألة فوز لوائح 8 آذار والعونيين ناجحة لا لأسباب القوة والشعبية المتراجعة بل لتفكك صفوف مناوئيها وغياب الحد الأدنى من التنسيق والتفاهم، فضلاً عن شهوة جامحة الى النيابة يبدو انها لن ترتوي في نهاية المطاف.