جزين… بكواتم الصوت !
أغلب الظن ان الجزينيين كانوا يتوقون الى معركة كلاسيكية تضعهم كأشقائهم واخوتهم في الاشرفية وجبيل وكسروان وبعبدا وزحلة والبقاع الغربي بين مطحنتين عملاقتين تحلو بينهما المقارعة وتتصاعد الحوربة الى السحب وتلتهب الصناديق فرزاً على حد السيف بين جمهورية الاستقلال الثاني والجمهورية الثالثة.
شيء كثير من الارباك والخيبة يجب ان يكون داخل كل جزيني لأن مشيئة المقارعة بين حليفين معارضين حرمت جزين لذة العودة الى القضاء المستقل هذا الذي زجّها فيه قطبا المواجهة "الفريدة" والوحيدة (هكذا يقال تجميلا واستدراكا لتمدد قاتل للحوربة تحت الطاولات) يعتبر من "الابتكارات" الملبننة الصرفة في علم التجارب الانتخابية. وليس غريبا على لبنان ان تتفتق كل دورة انتخابية عن بدع وابتكارات لا يقوى على صنعها والتكيف معها سوى مجتمع قابل للكرم السخي بلا حساب وبلا محاسبة مع كل بدعة.
ألم تجرِ انتخابات 2005 نفسها تحت أعنف عصف ارهابي وأمني وسياسي وانتخابي، وفي الوقت نفسه تحت مظلة "تفاهم رباعي" ظلل الكثير من الدوائر؟
هذه المرة الآية مقلوبة لكنها الغرابة نفسها ونفحة "الابتداع" إياها. حلف مقدس بين قطبين معارضين في كل الدوائر، ومعركة "مهذبة" حضارية "أخلاقية" في جزين. كأن الحديث عن مواصفات هذه المعركة هو في ذاته اعتراف بلاحضارية ولاأخلاقية الكثير من المعارك الاخرى الشاردة والمتفلتة من كل ضوابط. وحسب أهالي جزين ان يكونوا اختيروا لمعركة هي أشبه بمباراة شطرنج. لكن كيف للأمر ان يستقيم وجزين هي جزين، في الموقع الجغرافي والديموغرافي والاستراتيجي البالغ الحساسية والدقة في قلب الجنوب وعلى تخوم الحدود مع الجبل وفي خلفية كل نبض من بدايات الازمات والحروب وصولا الى أيام السلم والطائف وما بعدها وحتى اليوم؟
لعلها مفارقة صعبة جدا أن يجري اختيار جزين لترتع بمعركة يحصر فيها السلاح بكواتم الصوت فيما كل شبر من حولها وفي امتداداتها يرتع بكل أنواع الاسلحة الثقيلة من مدفعية الميدان الى سائر المشتقات والسلالات الحربية.
ولماذا تحرم جزين هذه المتعة الهائلة التي منحت لسائر ناخبي لبنان للاختيار الحاسم بين جمهورية وجمهورية فيما حوصرت وحدها بمعركة يطغى عليها عراك النفوذ الشخصي بين زعيمين يتعاهدان سلفا على أنهما لن يفرّطا برباط التحالف السياسي و"الانتخابي" خارج هذه البقعة؟ إذاً ما هي معايير الخيار السياسي في جزين؟ وهل ثمة من معنى للمعركة بقي بعد هذه البدعة سوى لمعركة نفوذ شخصي بين القطبين، الى ان يطل خيار ثالث على المعركة على صعوبة الحسابات التي باتت تواجهه بعدما سيقت المدينة والقضاء الى فرز واسع وضائع لا يدري معه الناخب أي مهمة تلقى عليه ما دام الخيار هو داخل محراب جبهة واحدة حتى اشعار آخر؟
ومع ذلك، فسيدة الشلال، التي حرست جزين على الدوام، قد لا تبخل على المدينة وقضائها باحدى عطاياها الجديدة. فحسب هذه الدائرة ان تدرك معنى الصراع عليها الى درجة كسر كل معايير التحالف ضمن معسكر واحد لتدرك تكرارا "اية" "هبة" نالتها وأي "تهيب" يترقب كلمتها سواء كدائرة صنعت لها مقاييس خاصة واستثنائية ومتفردة، أو كدائرة ستصنع لنفسها مقاييسها ومعاييرها في ما تبقى من أيام عن الموعد الحاسم.