من المثالثة إلى الرئاسة··· ماذا تعني مغامرات عون؟
ارتفاع سخونة الحمّى الانتخابية المهيمنة على الخطاب السياسي هذه الأيام، كشف هشاشة الوضع الداخلي المُرتبك منذ فترة، بسبب الانقسامات السياسية والطائفية والمذهبية المستفحلة على الساحة اللبنانية!·
فرغم مرور حوالى السنة على الخروج من نفق المواجهات الحادة والدموية في الشارع، والتي بدأت يوم 23 كانون الثاني 2007، وبلغت ذروتها في 7 أيّار الأسود 2008، ما زالت هواجس تلك المواجهات الساخنة وتداعياتها الخطيرة على تماسك النسيج الداخلي، تثير قلق المواطن العادي الذي ما زال يفتقد الثقة والاطمئنان إلى سلامة العملية السياسية في مرحلة ما بعد انتخابات 7 حزيران، بسبب حدة التنافس بين الموالاة والمعارضة، وضيق هامش الفارق بين الفائز بالأكثرية ومنافسه الذي يحتل موقع الأقلية من جهة، ونظراً لخطورة الطروحات السياسية التي تُنادي بها بعض أطراف المعارضة، وخاصة التيار العوني، والتي تشكّل انقلاباً على صيغة الوفاق التي أقرها مؤتمر الطائف وأنهت سنوات الحرب المجنونة، فضلاً عن تلك الطروحات التي تشكّل تحدياً سافراً لمقومات الدولة الشرعية دستوراً وأعرافاً!·
والطريف أن العماد ميشال عون يُجاهر بنزعته الانقلابية في مؤتمراته الصحفية، وما أكثرها هذه الأيام، وفي <الشعارات البرتقالية> التي زرعها على الأوتوستراد الشمالي لبيروت مروجاً لفكرة <الجمهورية الثالثة>، بكل ما تحمله هذه الفكرة من نسف للثوابت التي كرّسها اتفاق الطائف، ورغم كل ما يعنيه هذا الشعار من سعي للانقلاب على السلطة والشرعية والدستور التي يتمسك بها اللبنانيون كأساس لا بدّ منه لقيام الدولة القادرة والعادلة·
* * *
ويبدو أن العماد عون يحاول تجديد نزعته المعروفة بخوض المغامرات العسكرية والسياسية، على نحو ما فعل في نهاية الثمانينات عندما خاض <حرب التحرير> ضد القوات السورية من دون أي أفق سياسي وطني أو إقليمي أو دولي، ثم أتبعها بـ <حرب الإلغاء> الانتحارية ضد القوات اللبنانية بدافع من حب السيطرة والتفرّد بالقرار المسيحي، وأيضاً من دون أي تبصّر بالمعادلات الداخلية التي كانت سائدة في تلك الفترة، مع إصرار على تجاهل الواقع الإقليمي والدولي المحيط بالوضع اللبناني المتأزّم في تلك المرحلة·
فكانت النتيجة أن تسبّب بسقوط مئات الضحايا، وتشريد آلاف العائلات من بيوتها، ونشر الخراب والدمار في المناطق التي كانت تقصفها مدافعه الثقيلة من الأحياء السكنية الآمنة في بيروت، إلى القرى والدساكر المسيحية في مناطق المتن وكسروان وبقية أنحاء جبل لبنان·
وطرح شعار <الجمهورية الثالثة> مغامرة جديدة يقودها العماد عون، ولو على حساب الوفاق بين اللبنانيين، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحفاظ على الأمن والاستقرار!·
لم يُفصح عون عما يعنيه بـ <الجمهورية الثالثة>، ولم يُحدّد ما يريد تغييره في الجمهورية الثانية وصولاً الى الجمهورية الثالثة·
ولم يشرح الحيثيات والدوافع <الوطنية> و?<الدستورية>، في حال وُجدت، التي جعلته ينادي بالجمهورية الثالثة·
هل هي الرغبة الدفينة باعتماد <المثالثة> بين الطوائف الثلاثة الكبرى: السنّة والشيعة والموارنة، بدل المناصفة التي كرّسها اتفاق الطائف بين المسلمين والمسيحيين، من دون الأخذ بفارق العدد الديمغرافي بين الطرفين؟·
هل الخروج على صيغة الطائف الذي يسعى إليه عون، يعني إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بالعودة إلى صيغة الامتيازات التي فجّرت البلد، وأشعلت حروب السنوات العجاف في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي؟·
أم هو يسعى إلى إقامة نظام رئاسي، يحلم بالتربع على قمته، والتمتع بالصلاحيات التي تفرض هيمنته على الوضع السياسي والتحكم برقاب العباد؟·
* * *
أما الطامة الكبرى في مغامرات العماد عون المستجدة فتكمن في ما كشفه الوزير والنائب السابق فارس بويز من أن الرجل يسعى إلى القيام بانقلاب سياسي على رئيس الجمهورية عبر تقصير ولايته الدستورية، في حال فوز التيار العوني وحلفائه بالأكثرية الجديدة، وذلك ليتسنّى لعون دخول قصر بعبدا مجدداً عبر جلسة انتخاب نيابية بالأكثرية المطلقة، ولو كانت بفارق صوت واحد فقط!·
يبدو أن هاجس <رئيس لمدة سنتين فقط> الذي سبق لعون أن طرحه عامي 2007 و2008، خاصة بعد تأكده من عدم قدرته على اختراق جدار الأكثرية النيابية الحالية، يبدو أن هذا الهاجس ما زال يسكن الحالم بالرئاسة الأولى رغم وقوفه على أبواب الثمانينات، محاولاً القفز فوق الجروحات والخصومات العميقة التي تسببها سياساته العشوائية والقائمة غالباً على الانفعال وردة الفعل·
ويكشف هذا التفكير اللاواقعي عند عون مدى إصرار جنرال الرابية على تجاهل التوازنات والتسويات التي كرّست العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً في أشد المراحل صعوبة وأكثرها تعقيداً في تاريخ لبنان المعاصر، فضلاً عن إنكار عون المستمر لحجم التأييد العربي والدولي الذي يتمتع به العماد سليمان، والذي استطاع في فترة وجيزة، أن يُعيد لرئاسة الجمهورية دورها، ويستعيد الثقة بمكانتها، ويُكرّس موقع الرئيس – الحكم بين الفرقاء المحليين، مبتعداً بالرئاسة الأولى عن الزواريب الداخلية، ومرتفعاً بها فوق مستوى الخلافات السياسية·
* * *
ثمة حقيقة لا بد أن يُدركها العماد عون جيداً، وقبل فوات الأوان، مفادها أن اللبنانيين يرفضون الانسياق وراء المغامرات العشوائية والمدمرة، وهم يتمسّكون بخيار قيام الدولة ودعم مؤسساتها الدستورية والأمنية الشرعية، وسيكون السابع من حزيران يوماً فاصلاً لتعزيز مسيرة الوفاق والأمن والاستقرار بمواجهة المزايدين بالشعارات، والساعين إلى إعادة الزمن إلى الوراء، والعودة إلى معارك المغامرات!·