الجمهورية الثالثة دعوة الى الفتنة
… لا يمكن على الاطلاق فصل الخطاب السياسي عن حقيقة الأهداف، إذ عندما ينادي ميشال عون وجماعته بالجمهورية الثالثة تظهر تلقائياً الرغبة الدفينة بـإنهاء اتفاق الطائف ومفاعيله، وهذا أشبه ما يكون بالدعوة الى الحرب الداخلية مجدداً، وقد دفع اللبنانيون الأثمان الكبرى من الأرواح والممتلكات حتى وصلوا الى الطائف.
.. لا يعني ذلك رفض الجمهورية الثالثة من خلال تطوير النظام، ولكن السؤال الاساسي، هل قمنا في لبنان بتطبيق كل بنود اتفاق الطائف، والتزمنا بكل ما تتطلبه الجمهورية الثانية حتى نعرف مكامن الخلل لتصحيحها؟
.. قطعاً، إن اتفاق الطائف لم يطبق كاملاً كي نحكم عليه، وكان الاولى بالمعارضة وميشال عون المطالبة بالتزام كل بنود الطائف بدلاً من هذه الدعوات الملتبسة بالتوجه نحو جمهورية ثالثة من دون توضيح معالم هذه الجمهورية المطلوبة وبأي اتجاه ستكون.
.. يستشف من كل ذلك، إن الدعوة هي لاستحضار الفتنة لا أكثر ولا أقل، وهي تماماً كالدعوة الى المثالثة بدلاً من المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ونحن في مطلق الأحوال نشكر رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي رفض بالامس المثالثة، معلناً التمسك باتفاق الطائف وبنوده، وهذا موقف وطني يسجل له.
.. إن ميشال عون الذي يقود الحملة للوصول الى ما يصفه بالجمهورية الثالثة هو نفسه الذي يصوّر للناس انه يريد محاربة الفساد، وتاريخه يشهد ان ذلك غير صحيح على الاطلاق، ان من خلال ما كشف عنه بتحويلات مالية الى باريس والتي وصل بعضها الى خمسين مليون دولار باسم زوجته يوم كان رئيساً للحكومة العسكرية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل، وإن من خلال صهره جبران باسيل في وزارة الاتصالات والذي يقوم بتعيين أزلامه في هذا الموقع أو ذاك، إضافة الى قضية الـ3 ملايين دولار الذي اشترط عون لتقاضيها من مرشحين في دائرة جزين، أو طلبه من الوزير السابق فارس بويز مليوني دولار كي يرشحه على لائحته في كسروان، وغير ذلك من الفضائح التي أصبحت معروفة للقاصي والداني ومنها قضية الارض للنائب جيلبرت زوين.
.. في مطلق الأحوال، فإن الدعوة لإقامة الجمهورية الثالثة يراد منها عملية تؤدي الى خلل في التوازن الطائفي، وهذا ما يناقض اتفاق الطائف والمناصفة بين المسيحيين والمسلمين بمعزل عن أي شيء آخر.
والمسألة هنا في مطلق الأحوال لا تتعلق بتطوير النظام وهذا مطلوب وملح، ولكن علينا كلبنانيين تنفيذ كل اتفاق الطائف قبل أي حديث عن تعديلات فيه، إذ كيف لنا أن نعرف الصح من الخطأ قبل استكمال التجربة بكاملها، وقد ثبت بالملموس ان لا بديل عن الطائف، ولا خيار أمامنا كلبنانيين إلا استكمال تطبيقه.
… لقد آن الأوان لوضع حد لمثل هذه الدعوات الملتبسة، والكف عن التلاعب بذاكرة الناس في هذا الوطن من أجل أهداف مشبوهة، وليس من حق ميشال عون ولا غيره تعريض البلاد الى خطر الفتنة.