ارتياح إلى الحوار وسط إصرار واشنطن على إبراز استقلالية بيروت
"اليد الممدودة" بين أميركا وسوريا وفّرت على لبنان خضّات
تجعل الديبلوماسية الاميركية لبنان محطة لا يمكن الاستغناء عنها في المنطقة، شأنها شأن سائر المحطات الاساسية الاخرى من اجل الدلالة على انها باتت تتعامل مع لبنان الدولة في حد ذاته وليس لبنان الذي كان ملحقاً بسوريا او الذي تقرر سوريا في اي اتجاه عليه ان يذهب ومتى، على رغم معرفة الولايات المتحدة كما لبنان ان الجوار الجغرافي يتحكم في الكثير من المواقف التي يأخذها لبنان في الاعتبار. وتحرص الولايات المتحدة بادارتها الجديدة على ابقاء لبنان على اطلاع دقيق وشبه دائم عما يدور حوله وابعد من ذلك، وفي كل الاتصالات او غالبيتها التي يمكن ان يتأثر بها في اشارة رمزية قوية الى ان الولايات المتحدة برئاسة باراك اوباما لم تغير سياستها الخارجية حيال لبنان اولا، وفي رد غير مباشر ثانيا على كل ما يتناول التغيير الاميركي في المنطقة وماهيته والتفسيرات حوله.
وتعتقد مصادر معنية ان هذا الجزء من الاداء الاميركي حتى الآن مريح ومطمئن للبنان، علما انه يطرح اسئلة كبيرة في حال اختلاف الوضع اللبناني لاحقا في حال فوز قوى 8 آذار بالاكثرية النيابية والحكومية، وكذلك احتمال تأثر مواقف لبنان وعودة سياسته الخارجية الى التزام العناوين السياسية السورية مجددا، علما ان لبنان لم يبلور سياسة خارجية مستقلة كليا عن سوريا حتى الآن لاعتبارات متعددة وسوريا ابدت دائما حرصها على الامساك بلبنان في الخارج، وكان انزعاجها قويا من العلاقات الواسعة التي تمتع بها الرئيس رفيق الحريري على الصعيد العالمي.
والسؤال هو ما اذا كانت الولايات المتحدة ستستمر في التعامل مع لبنان كدولة مستقلة في هذه الحال ام انها تعود الى عهدها السابق في حال استنسخ لبنان السياسة الخارجية السورية، وعاد الى العيش في ظلها مع العناوين نفسها حول الممانعة والصمود والتحرير بالمقاومة وما شابه، من سياسات تستخدم لتبرير ابقاء لبنان ساحة لتعزيز الاوراق السورية. واذ تقول الولايات المتحدة انها ستبقى تتعامل مع المؤسسات اللبنانية من رئاسة الجمهورية الى الجيش وسائر المؤسسات، فان هذه المؤسسات يمكن ان تتأثر الى حد كبير باتجاهات معينة يقول بها من اليوم اركان قوى 8 اذار باستثناء الرئيس نبيه بري، فيما الولايات المتحدة لا تتحمس كثيرا للاتصالات مع هؤلاء الاركان ان كان" حزب الله" الذي لا اتصالات للولايات المتحدة به اصلا او "التيار العوني" بعد التحول الجذري الكبير الذي احدثه العماد ميشال عون في اتجاهاته السياسية والوطنية في الاعوام القليلة الماضية.
لكن هناك جزءا آخر يريح الاوساط المراقبة في الاداء الاميركي الراهن المتمثل في الحوار الاميركي السوري القائم منذ شهرين تقريبا، فهذا الحوار يمكن ان تعتبره سوريا مكسبا لها نتيجة التغيير الذي طرأ على الادارة الاميركية الجديدة واعتمادها مقاربة جديدة معها ومع ايران حليفتها في المنطقة. اذ ان هذا الحوار ووفق ما تسعى الى اثباته الديبلوماسية الاميركية ليس على حساب لبنان او لن يكون على حسابه. بل ثمة من هؤلاء من يعتقد ان هذا الحوار مفيد لاعتبارات من بينها: اولا ان التغيير في السياسة الاميركية بدا مناسبا مع تغير الادارة، بحيث لم يبد ان هناك تراجعا جذريا وفق ما قد يبدو للبعض تفسيره انما قد تكون مقاربة مختلفة للامور. ويعتقد هؤلاء ان الحوار القائم راهنا بين واشنطن ودمشق واحتمالات الحوار المفتوحة بين واشنطن وايران في ما سمي اليد الممدودة وفر على لبنان بعض الخضات الداخلية وربما اكثر من ذلك قبيل الانتخابات، بمعنى احتمال استخدامه من سوريا للانفتاح عليها او الضغط على من تعتبرهم سوريا خصومها في لبنان وحلفاء الولايات المتحدة. وهذا لا يعني حكما ان سوريا منكفئة عن السعي الى تأمين فوز حلفائها اي قوى 8 اذار بالاكثرية النيابية والحكومية المقبلة، بدليل التوظيف السياسي لاطلاق الضباط الاربعة والتفسيرات المختلفة المبتهجة التي اعطيت له عن هزيمة قوى 14 اذار والكلام على صفقة اميركية سورية لانهاء المحكمة، الا ان دمشق منكفئة عن استخدام وسائل عهدتها في التعاطي علنا في السابق وحريصة في ضوء الانفتاح الاميركي عليها اظهار عدم تدخلها في لبنان.
وبقدر ما جرى انتقاد تأخر سوريا في تسمية سفير لها في لبنان، فان عدم تسلمه مهماته حتى اليوم قد يطوي سعيا الى عدم استخدامها ذريعة في الانتخابات النيابية يفيد منها خصومها، باعتبار ان اللبنانيين عموما باتوا حساسين حيال التدخل السوري وقد يتأثر المسيحيون، خصوصا بما يؤدي الى اضعاف القوى المسيحية في تحالفها مع 8 آذار.
وبعض التفاؤل في هذا الانفتاح يقوم وفق المصادر نفسها على ما قد يحمله هذا الانفتاح في حال نجحت المحاولات الاميركية الراهنة من اجل التقدم في مفاوضات السلام على رغم ان ثمة جزءا صعبا ينطوي عليه التعامل مع الحكومة الاسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو واختلاف النظرة الاميركية مع اسرائيل حول اي مسار ينبغي التقدم فيه وسط عدم ممانعة اسرائيلية في الاتجاه السوري، في حين يصر الاميركيون اقله حتى اليوم على ابقاء المسار الفلسطيني في الواجهة ومتقدما جنبا الى جنب مع المسار السوري. لكن نجاح الادارة الاميركية في ذلك وفي وقت قريب، فضلا عن نجاحها في الانفتاح سيطلق تغييرا في الاداء والمقاربات لن يقتصر عليها، بل هو بدأ فعلا في كل الاتجاهات بدءا من سوريا، على الاقل علنا، وصولا الى حركة "حماس" في انتظاربروز امور ملموسة اكثر من جهة ايران و" حزب الله"، علما ان ثمة مؤشرات لا تزال مرتبكة من جانب الفريقين الاخيرين الى التغيير والخوف منه. لكن التغيير يبدو خيارا لا مفر منه بالنسبة الى الجميع، وفق المعطيات الراهنة على الاقل.