لأن أولوياتها تتركز على مكافحة الارهاب وأعمال العنف
الاعتدال شرط الادارة الاميركية للتعاون مع أي حكومة
لاحظت اوساط سياسية مراقبة ان وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون دعت خلال زيارتها الخاطفة للبنان الى الاعتدال نظرا الى اهميته، مؤكدة ان واشنطن والمجتمع الدولي يدعمان اصوات الاعتدال في لبنان والمؤسسات الرسمية التي يعمل الاعتدال لبنائها بعدما دعت ايضا الى انتخابات حرة ونزيهة وعادلة، وكررت تأكيد الدعم الاميركي لسيادة لبنان واستقلاله، في حين كانت الادارة الاميركية السابقة تؤكد دعمها للديموقراطية وللاكثرية السيادية في لبنان وتحديداً "ثورة الارز" فاتّهمت بالانحياز الى فريق لبناني دون آخر.
إن دعوة الادارة الاميركية الجديدة الى الاعتدال والحض عليه في رأي الاوساط نفسها لا يقتصران على لبنان فحسب بل يشملان المنطقة وذلك من اجل مواجهة التطرف الذي يشكل وجها من وجوه الارهاب والعنف. وهذه الدعوة تعني ان الديموقراطية نفسها اذا اتت بالتطرف ولم تأتِ بالاعتدال فهي ديموقراطية لا تصلح لشعوب لا تزال تغلّب سياسة التطرف على سياسة الاعتدال وثقافة الموت على ثقافة الحياة سواء كان هذا التطرف دافعه استعادة اراض بالقوة لأنها احتلت بالقوة وليس بالحوار والتفاوض اذا كانا يحققان الغاية نفسها، او كان دافعه حب القيام بأعمال العنف والارهاب والقتل والاغتيال. والدليل على ذلك ان حركة "حماس" فازت بالأكثرية في الانتخابات بطريقة ديموقراطية ومع ذلك فان الادارة الاميركية لم تتعامل مع الحكومة التي انبثقت منها وصنّفت هذه الحركة "ارهابية" وإن يكن هدفها تحرير الارض التي احتلتها اسرائيل بالقوة. وكأن الارادة الاميركية الجديدة تريد ان تقول بدعوتها الى الاعتدال في لبنان ودعم اصوات الاعتدال في مؤسساته الرسمية انها مستعدة للتعامل مع اي حكومة تنبثق من اكثرية معتدلة سواء كانت اكثرية 14 آذار او اكثرية 8 آذار او اكثرية مختلطة. فالاعتدال هو الحزب الذي تدعمه الادارة الاميركية وتؤيده، وهو الذي ينبغي ان يسود كل دول المنطقة من اجل مواجهة العنف والارهاب مع العمل الجاد على ازالة اسبابهما ومعالجتهما بتحسين الاوضاع المعيشية للشعوب ومكافحة الفقر والعوز.
لذلك، فان الانتخابات النيابية المقبلة اذا فازت بها قوى 8 آذار وتحديدا "حزب الله" بأكثرية المقاعد النيابية ومارست الحكومة التي ستنبثق منها سياسة الاعتدال والتزام تنفيذ القرارات الدولية ولاسيما القرار 1701، فان الولايات المتحدة الاميركية ودول الغرب والشرق المعتدلة ستكون مستعدة للتعاون معها وتقديم المساعدات التي يحتاج اليها لبنان في شتى المجالات. اما اذا مارست هذه الحكومة سياسة التطرف واعمال العنف مع حكومات اخرى مماثلة في العالم، محاولة زعزعة الامن والاستقرار في لبنان والمنطقة، فانها ستواجه بالمقاطعة والقطيعة حتى لو جاءت الحكومة المنبثقة من الاكثرية وفقاً للأصول الديموقراطية.
وما ينطبق على لبنان ينطبق ايضا على فلسطين توصلاً الى تشكيل حكومة ائتلافية معتدلة تواجه اسرائيل بموقف موحد من الحلول المقترحة للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، ومنها على الاخص حل الدولتين دعما لجهود الادارة الاميركية الجديدة في هذا السبيل.
وفي معلومات مصادر ديبلوماسية ان الادارة الاميركية الجديدة تركز في محادثاتها المباشرة وغير المباشرة مع كل من سوريا وايران ليس على مراقبة تصرفهما حيال الانتخابات النيابية المقبلة والتدخل لمصلحة هذا الطرف او ذاك فحسب، انما ان تكونا داعمتين لخط الاعتدال اياً تكن نتائج هذه الانتخابات، وان بداية البحث في تحسين علاقات أميركا معهما تنطلق من اختبار صدقيتهما وجديتهما في دعم هذا الخط كونه السبيل الوحيد لتوفير الامن والاستقرار ونبذ اعمال العنف والارهاب واعتماد سياسة التفاوض والحوار لحل المشكلات على اختلاف انواعها في المنطقة.
وعندما يتم التوصل الى القضاء على اعمال العنف في المنطقة سواء كان يقوم به تنظيم "القاعدة" او "طالبان" أو سائر التنظيمات والمجموعات المسلحة تحت اي اسم ولأي غاية، بدل اعتماد سياسة التفاوض والحوار لبلوغها، فان الامن يصبح متوافراً لجميع دول المنطقة ويكون هو السبيل الافضل لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم.
وترى المصادر نفسها ان سلوك ايران وسوريا حيال الانتخابات النيابية في لبنان، وخصوصاً حيال مرحلة ما بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة الاولى، هو الذي يجعل دول الغرب وخصوصاً اميركا والدول العربية المعتدلة، تحدد مسار المحادثات مع كل منهما واسسه توصلاً الى اقامة علاقات جيدة او بقاء هذه العلاقات متوترة او فاترة. وعندما يقول "حزب الله" بلسان اكثر من قيادي فيه ان دول العالم ستتعاون مع حكومة المعارضة اذا فازت بالاكثرية وان الحزب سيقدم نموذجاً جديداً وواضحاً في ادارة حكم البلاد والتزام قضايا الناس والوطن والحفاظ على مقدراته ومكتسباته، فمعنى ذلك انه سيكون لهذا الحزب وحلفائه اذا فاز بالاكثرية النيابية سياسة في الحكم مختلفة عن سياسته خارج الحكم كي يجعل نظرة الغرب اليه تتغير وتبدأ حكومات فيه تبحث عن وسائل للاتصال بالحزب وتكوين علاقات معه، ورفض اعتباره حزباً ارهابياً.
وتتوقع المصادر ان تتطور العلاقات عربياً ودولياً في اتجاه تقوية رئيس الجمهورية ميشال سليمان وتعزيز شرعيته وتحصينها باعتباره ليس رئيس التوافق فحسب بل رئيس قوى الاعتدال، بحيث تقف معه كتلة او كتل نيابية ترفع شعار الاعتدال سواء كانت وسطية او "مستقلة" او كانت من قوى 8 او 14 آذار تقصي الكتل الراديكالية او تضعفها وتحظى بدعم سوري وعربي ودولي وتلتف حول الرئيس سليمان وتعمل في اطار المؤسسات الدستورية لان الرئيس لا يستطيع وحده انقاذ البلد، فهذه مهمة الجميع ومهمة المواطنين قبل السياسيين، كما قال في حديث سابق له طالب فيه السياسيين بان "يقتنعوا بتوافر ارادة سياسية جامعة لتحقيق شركة وطنية حقيقية او عقد سياسي جماعي لبناء وطن ودولة للجميع، فلا طرف وحده يمكنه بناء الوطن، بل الارادة السياسية الجماعية وتوافر النية الصادقة".