أوساط ديبلوماسية في باريس تُبدي قلقاً من نتائج فوز 8 آذار
تعتبر اوساط ديبلوماسية في باريس ان الادارة الاميركية ليست متسرعة في التوصل الى حل لقضية الشرق الاوسط على رغم ان تشخيصها للوضع الاقليمي صائب ومطابق للموقف الاوروبي وان الطرفين على الموجة نفسها. فالاهتمام الاميركي منصب حالياً على الوضع في افغانستان وباكستان الذي يبدو متفجراً، وعلى التوصل الى حل للملف النووي الايراني. غير ان هذه الاوساط تبدي بعض التخوّف على الوضع في لبنان بعد الانتخابات النيابية ومن تحركات اقليمية قد تشكل خطراً على سلامة لبنان.
ويعود عدم التسرّع الاميركي في ما يتعلق بموضوع الشرق الاوسط الى امور عدة اولها ان الديبلوماسية الاميركية ليس لديها حالياً حل مقنع لجميع الافرقاء المتصارعين بينما تعارض السلطات الاسرائيلية المساعي الدولية، وان المناقشة لا تزال دائرة داخل الادارة الاميركية حول الاهمية التي يجب اعطاؤها لهذا الملف وحول سخونته، وتحديد مهلة قبل البحث في هذا الاستحقاق. وعدم مشاركة وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون في الجلسة التي عقدها مجلس الامن على مستوى وزراء خارجية، بدعوة من موسكو التي تتولى رئاسته الدورية تحضيراً لاجتماع موسكو من اجل السلام، هو خير دليل على ان الولايات المتحدة ليس لديها اي مشروع جاهز لطرحه في الوقت الحاضر، وادارة الرئيس باراك اوباما تفضل التريث في انتظار ما ستؤول اليه الاجتماعات التي سيعقدها الرئيس الاميركي مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري حسني مبارك ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ومن ثم لقاء مبارك في مصر في حزيران المقبل قبل اتخاذ موقف واضح من ملف السلام في الشرق الاوسط. والرئيس الاميركي غير مستعد لفتح معركة في بداية عهده مع اسرائيل وحلفائها داخل المجتمع الاميركي، على رغم وضوح موقفه والتزامه تحقيق السلام. كما ان العروض العربية المطروحة على الطاولة لتليين الموقف الاسرائيلي، كفتح المجال الجوي العربي امام اسرائيل في مقابل وقف الاستيطان لا تؤدي الى نتيجة بل تشكل خطراً على مسار عملية السلام.
في السياق وامام ضبابية المواقف السياسية فقد الملف اللبناني اهميته ظاهرياً على الساحة الاقليمية خصوصاً ان الوضع الداخلي والاقليمي لا يدعو الى اجراء مزيد من الضغوط على الاطراف داخلياً واقليمياً بعدما نفذت دمشق ما يمكنها تنفيذه من الاجندة التي وضعتها باريس، وهي تنتظر نتائج الانتخابات النيابية لتحديد مواقفها بالنسبة الى المواضيع التي ما زالت عالقة، مثل ترسيم الحدود بين البلدين. واهم من ذلك ان الولايات المتحدة استطاعت ان تفرض واقعاً امنياً سليماً في انتظار ما ستعرضه على القوى الاقليمية، كما ان بعضهم يعتبر ان في امكانها تعديل بعض المعايير الداخلية اللبنانية بعد الانتخابات.
وما زالت واشنطن التي تدعم استقلال لبنان وسيادته وترفض اجراء الانتخابات في اجواء من الترهيب وتطالب بمزيد من الجهود لنزع سلاح الميليشيات تؤكد مواقفها وتحذر دمشق من التدخل في اللعبة الانتخابية. غير ان الاهم بالنسبة الى هذه الاوساط هو ماذا سيكون تأثير نتائج الانتخابات في الوضع الداخلي اللبناني والوضع الاقليمي، لان فوزاً محتملاً لقوى الثامن من آذار في الانتخابات قد يؤدي الى انتصار سوري – ايراني والى تقديم ورقة ضغط اضافية يوفرها اللبنانيون لدمشق وايران قبل بدء المفاوضات حول مستقبل المنطقة، اضافة الى ان تسلم "حزب الله" زمام السلطة في لبنان بعد تفرده بقرار السلم والحرب قد يشكل ذريعة امام اسرائيل لاعلان حرب على لبنان.
وتبدو هذه الاوساط قلقة من الوضع الداخلي بعد الانتخابات ومن التأثيرات التي سيؤدي اليها تشنج بعضهم خلال تشكيل الحكومة التوافقية التي برهنت فشلها من خلال التجربة وحملت المتاريس الى داخل مجلس الوزراء. كما ان الشعارات التي تطلقها المعارضة لا تبشر بالخير. غير ان الاوساط الديبلوماسية الاوروبية تتريث في اتخاذ مواقف عدائية من "حزب الله" وحلفائه وتنتظر نتائج الانتخابات النيابية لتقرر طريقة التعامل مع اي وضع جديد قد ينشأ بنتيجتها. كما انها تتعامل حالياً بحذر كبير مع الملف اللبناني الذي يعيد الى الذاكرة انتصار "حماس" في الانتخابات الفلسطينية ورفض اوروبا والولايات المتحدة التعامل مع هذا الواقع ومن هذه الدول فرنسا التي تعتبر انها منفتحة على جميع الافرقاء في لبنان، كما انها لا تود حالياً تعكير علاقاتها مع دمشق تاركة بذلك ابواب التفاوض مع اي فريق مفتوحة.
وفي خضم الازمة المالية التي ما زالت تعصف بالعالم، تحذر هذه الاوساط من ان اي تعديل في السياسة اللبنانية سيؤدي الى قطع عدد من الدول الاجنبية والعربية مساعداتها عن الدولة اللبنانية، علماً ان وقف هذه المساعدات سيؤدي الى اهتزاز الوضع الاقتصادي والمالي الذي تمكّن من تفادي انعكاسات الازمة المالية العالمية. وتشير الى ان الوضع يحتاج الى كثير من الذكاء والوعي اللبنانيين لتخطي المرحلة الآتية.