#dfp #adsense

“مؤامرة”… فاقدة الصلاحية !

حجم الخط

"مؤامرة"… فاقدة الصلاحية !

لا يمكن القيادات المسيحية في قوى 14 آذار ان تتنكر لمسؤوليتها في توفير كمّ وافر من الهدايا السياسية والانتخابية لخصمها المسيحي الرئيسي العماد ميشال عون، عبر ادائها المرتبك ومعاركها الذاتية التي كشفتها عملية تشكيل اللوائح الانتخابية داخل فريق الغالبية التي لا تزال تجرجر ذيولها وعقباتها حتى الآن. وشكّل هذا الاداء حافزا اساسيا لقوى المعارضة لتوفير كل عوامل الدعم الانتخابي والسياسي والدعائي للعماد عون وخصوصا من حيث ابراز صورته زعيماً نداً بين الزعماء المتحالفين معه في قوى 8 آذار والتسليم له بتسمية نحو 58 مرشحاً على لوائح تندرج فيها تحت زعامته احزاب وتجمعات كثيرة الى جانب تياره.

غير ان العماد عون، في المقابل، يبدو كأنه توغل بعيدا في تقديرات مغالية لفائض الدعم هذا، بما يشكل بدوره رد هدايا كثيرة الى خصومه "القدامى" و"الجدد".
ذلك ان رفع شعار "المؤامرة الكونية على العونية" كان يمكن اسناده وتبريره عام 2005، اما في انتخابات 2009 فهو اشبه بوصفة منقرضة وفاقدة الصلاحية. قبل اربع سنوات كان لبنان بأسره يتقدم الاولويات الكونية في الشرق الاوسط تحت وطأة احداث صاعقة وتاريخية، ومثلما ظفرت قوى 14 آذار بأكثرية نيابية موصوفة عقب "انتفاضة الاستقلال"، ظفر العماد عون بقهر "المؤامرة" وكسب اكثرية المقاعد المسيحية.

أما الآن، فلبنان بأسره لا يكاد يُرى على سلم الاولويات الكونية، سواء بفعل عوامل ايجابية او سلبية محلياً ودولياً، وحسبه من هذه الاولويات ان العالم يراقب ببعض الاهتمام مآل المبارزة الانتخابية وتأثير نتائجها على نظامه السياسي ومصيره المقبل. وبطبيعة الحال لا تتسع الاولويات الكونية للتعمق في فهم اساليب التعبئة والتحفيز وشد العصب التي مهما تلونت وتنوعت لا تتيح لأي فريق "ترف" تصوير نفسه هدفا كونيا، هكذا دفعة واحدة.

اما في الحسابات الانتخابية والسياسية الداخلية الصرفة، فلا يستقيم الحديث عن "مؤامرة" اطلاقاً في معرض معركة تدور بكل وضوح وشراسة على اختزال التمثيل المسيحي في السنوات الاربع المقبلة.
هدف العماد عون واضح وضوح لوائحه وهو احتكار التمثيل المسيحي مع حلفائه الآخرين وازاحة اي اعتراف بمسيحيي 14 آذار، وكذلك جعل هذا العامل ضابط ايقاع حاسماً للحكم، اي لرئيس الجمهورية، في حال فوز الغالبية. وفي قوانين اللعبة الانتخابية لم يكن غريبا ان يثير هذا الاتجاه مردودا معاكسا لدى الخصوم. لكن الملابسات التي احاطت بمسألة اتهام العماد عون بالتخطيط لتقصير الولاية الرئاسية وتكذيبه هذا الاتهام، ابرزت نشوء جبهة جديدة باتت تصنف بين خصوم عون وهي جبهة المستقلين المحسوبة تلقائيا على رئيس الجمهورية.

ولم يكن خافيا في مشهد الصخب الكلامي الاخير ان ثمة ملامح جدية للغاية لتجميع خصوم عون مباشرة او مداورة بما يقلب الكثير من الحسابات الانتخابية ويقيم واقعا مفتوحا على مفاجآت في مناطق كانت محسومة سلفا لمصلحته، وهذا يعني انه مثلما فتح عون كل الجبهات دفعة واحدة على خصومه، بدأ الرد عليه بالاسلوب نفسه عبر اقامة تجمع ضمني ومعلن للخصوم في مختلف الدوائر المرشحة لمواجهات حادة.

وبصرف النظر عن اي تكهن متسرع وغير محسوب ومسبق لانتخابات باتت المعارضة تزايد على الغالبية في التغني بأوصافها "المصيرية"، يفقد التوظيف العوني لنظرية المؤامرة كل بريقه. فهذه انتخابات، وهذه "عدة الشغل" فيها التي ينبري لها العونيون اكثر من سواهم واسوة بغيرهم ولا اثبات اكبر على ذلك من حرب الشعارات واللافتات التي تغرق الناس والشوارع والطرق بكل الحوربة اللفظية "المبدعة".

وغني عن البيان ان الوجه الآخر لهذا التوظيف لا يحسّن شروطاً ولا يرمم اخطاء. فالمعارك التقليدية بين الصحافة والسياسيين لا تبرر المعجم العنفي الذي يعتمده العماد عون في تهجمه على "النهار" و"المجتمع الاعلامي" والذي يثير القلق على مصير الحريات الصحافية في ضوء اي احتمال لفوز المعارضة ومشروعها.

وما لا يمكن تبريره اطلاقا، وبأي وجه او معيار، ان يذهب من يرفع شعار المؤامرة الى القول "بمحاكمة شهيد" بعد شهادته، فيما المؤامرة الحقيقية هي شهادة الشهيد وحدها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل