#dfp #adsense

المقاومة والمقاومون لمشروع الدولة

حجم الخط

المقاومة والمقاومون لمشروع الدولة
المحامي جورج ابو صعب

عبثا نحاول استنباط عالم الغيب والفلسفة والجغرافيا والسوسيولوجية لمحاولة فهم منطق 8 اذار ولا سيما حزب الله في نظرته الى دولة لبنان وعلاقة المقاومة بالدولة. وعبثا نحاول فهم مواقف العماد عون الاخيرة الذي يمعن وهو رجل المؤسسة العسكرية ومدرسة التضحية والوفاء والشرف في تحطيم معنويات تلك المؤسسة وطمس الانجازات التي سجلتها في السنوات الاخيرة. وكأن المطلوب الاستمرار في العزف على وتر الضعف والتغني بالضعف حتى يصدق الاخرون ان الدولة وجيشها فعلا ضعيفان فتتاح الفرص وتستباح السلطة .

1- فحسنا قال النائب محمد رعد منذ يومين من ان المقاومة في لبنان اعطت نموذجا فريدا لم يحصل في تاريخ الحركات المقاومة في العالم : فهذا الكلام صحيح من منظار ان المقاومة في لبنان تعطي مثالا حيا لكيفية ضرب الدولة واسقاط مؤسساتها في خدمة المقاومة ومشاريع المقاومة وأجندة المقاومة، فعلى هذا الصعيد فعلا ان المقاومة في لبنان فريدة ومدهشة وغريبة في ان.

2- فالمقاومة هي فعل الشعوب التي انتهكت دولها وسقطت امكانات المواجهة لدى تلك الدول عبر التاريخ لاعدائها: فيوم انطلقت المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي في فرنسا كانت الدولة الفرنسية غائبة وقواها مشتتة بين الفيشيين والديغوليين (حركة فرنسا الحرة) – وكان الالمان في حالة حرب واجتياح لفرنسا لاخضاعها وضمها الى امبراطورية الرايخ الثالث، فنشأت المقاومة كورقة بديلة عن غياب الدولة والسلطة والجيش القادر والقوى الذاتية المنظمة والنظامية على التصدي للهجوم النازي. وعندما دخل الجنرال ديغول الى باريس محررا انتهت المقاومة ومنها من انضم الى الدولة واصبح هو الدولة ومنها من عاد الى الحياة الطبيعية المدنية والاجتماعية. فلم نر المقاومة الفرنسية تتحول الى دولة ضمن الدولة الفرنسية ولم نر المقاومة تتحول الى برنامج سياسي وأجندة ثابتة ودائمة في الحياة السياسية : فكانت وسيلة ولم تكن غاية وفي احسن الاحوال كانت الرديف الموقت وليس الدائم لغياب سلطة ردع الاحتلال الى حين قيامة الدولة.

اما في لبنان فان المقاومة تفرض نفسها في كل زمان ومكان على انها البديل لقوى الدولة الشرعية في مواجهة العدوان والبديل لسلطة الدولة في مربعاتها الامنية والبديل في قيادة قرار السلم والحرب واستراتيجية الدفاع، في وقت لا يزال لبنان واسرائيل مرتبطين باتفاقية الهدنة تاريخ 23/3/1949 وقد اكد على ذلك اتفاق الطائف من خلال التمسك باتفاق الهدنة المشار اليه وبالتالي ليسا قانونا في حالة حرب ولا في واقع عمليات عسكرية متبادلة. ففي تموز 2006 عندما غزت اسرائيل لبنان غزته في عمليات عسكرية بذريعة تحرير الجنديين الاسرائيليين الذين اختطفهما حزب الله، وبالتالي لم تكن حالة حرب شاملة ودائمة بدليل انتهائها بانسحاب الجيش الاسرائيلي وتشكيل لجنة فينوغراد للتحقيق حول فشل العملية العسكرية. في حينه كان لبنان كله مقاومة واول من استهدف ودافع عن نفسه الجيش اللبناني والقوى الشرعية اللبنانية كافة.

فالمقاومة الدائمة والمستمرة تبقى عندما تكون البلاد بحالة اجتياحات وحرب مع العدو الاسرائيلي وليس دائما وابدا وتحسبا واحتياطيا .

3- ان سياسة حزب الله ومقاومته تخالف كل الاسس التي بني عليها اتفاق الطائف لا بل يسقطها فعلا لا قولا وهو في صدد الاجهاز عليه:

فمن حل جميع الميليشيات اللبنانية الى غير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية لم ينفذ حزب الله الشق المختص به بل استمد مشروعية وجوده من اطر تخرج عن الاتفاق ولا تقر به اصلا.

كذلك من تعزيز القوات المسلحة الشرعية للدفاع عن الوطن وحماية النظام العام لم يأخذ حزب الله الا النقيض المتمثل باضعاف القوات المسلحة وتصويرها بانها ضعيفة للرأي العام لايجاد المبررات الكافية لبقائه وتطوره وتوسعه على حساب القوى الشرعية ودولة القانون والمؤسسات وصولا الى ان يصبح الحزب دولة داخل الدولة.

كذلك من اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائلي وبسط سلطة الدولة على جميع اراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية، لم يأخذ الحزب الا النقيض التام : فبدل بسط سلطة الدولة بسط سلطته ومنع على الدولة حتى ان تحلق فوق مناطق سلطة الحزب.

وبدل نشر الجيش اللبناني منع على الجيش الانتشار في المربعات الامنية وفي مناطق واسعة من الجنوب ولا سيما الحدود اللبنانية كي يبقى الجنوب اللبناني
مسرحا لسياسات الحزب في تقرير استراتيجيته الدفاعية الخاصة وفقا لحساباته الخاصة.

لذلك لا نتعجب ان طالب الحزب ومعه قوى 8 اذار اليوم بتعديل الطائف وهو اصلا في الشق الميداني والسيادي معدل من الحزب بقرار احادي ومن دون العودة الى اللبنانيين الشركاء في الوطن : فهنا الشراكة لا تعود مطلبا حيويا للحزب ولا لقوى 8 اذار. اما تعيين مدير عام او كاتب في ادارة عامة فلا يمكن الا وان يمر بمجلس الوزراء مجتمعا لتأمين المشاركة في ادارة الحكم على طريقة ما لي هو لي لوحدي وما هو لك هو لك ولي.

4- ان المشكلة مع الحزب ان مفهوم المقاومة بات مشروعا ومن يجعل من مشروعه السياسي مشروع مقاومة سوف يحرص دائما على ايجاد المبررات لوجودها والا انتفى دوره وانتهى وجوده، فكان من الحري على حزب الله ومعه قوى 8 اذار ان تبحث عن مشروع بناء الدولة القوية كما تسعى اليه قوى 14 اذار رغم العثرات مبقيا على المقاومة احدى الخيارات الاساسية ولكن ليس الوحيدة، لا ان يحتبس الحزب نفسه في زنزانة المقاومة فلا يعود بامكانه المساومة ولا التفاوض على تعلية او تخفيض السقف السياسي لبرنامجه. فالمقاومة التي تصبح مجرد غاية وليس وسيلة تتحول الى دولة تهدد الكيانية الشرعية للدولة القانونية دولة القانون والمؤسسات دولة السلطات الشرعية الثلاث التشريع والتنفيذ والقضاء، ويصبح المنطق الاختزالي هو السائد كما حصل في زمن الوصاية السورية على لبنان وكما هو حاصل اليوم مع قوى 8 اذار وحزب الله .

فالمقاومة في المفهوم العام هي وسيلة تحرير الشعوب لا وسيلة قمع الدول والانظمة الشرعية والدستورية، وبالتالي اي مقاومة تلك التي تخير الشعب في الانتخابات بين سلطة الامر الواقع المقاوم الى ما لا نهاية وبين قيام الدولة القادرة والقوية في حماية نفسها وشعبها وحدودها. فلطالما ضحكت 8 اذار من مقولة قوة لبنان في ضعفه لكنها في الحقيقة تساهم بشكل اخر في تحقيق هذا الشعار من خلال الامعان في اظهار الدولة وقواتها المسلحة الشرعية على انها غير قادرة وقاصرة في مواجهة اي عدوان اسرائيلي، لتبقي على مبررات وجودها المستقل عن الدولة والمنافس للدولة. والدليل على ذلك ان حزب الله لم يقدم الى الان استراتيجية دفاعه الى طاولة الحوار لانه بكل بساطة لا يريد مشاركة احد في امتياز مقاومة اسرائيل. فلو قبل الحزب بعرض ومناقشة استراتيجيته الدفاعية لما أدى ذلك الى ايجاد الحلول والصيغ لتقوية الدولة من خلال الاستفادة من قدرات المقاومة العسكرية والتسليحية في سبيل بناء الدولة القوية والقادرة على المواجهة ورد العدوان وتحرير ما تبقى من اراض لبنانية .

فانطلاقا من مجمل هذه الملاحظات نرى ان استمرار منطق الحزب وقوى 8 اذار في احتكار المقاومة ضد اسرائيل وفي اعتماد المقاومة برنامجا سياسيا للانتخابات خدمة مباشرة وغير مباشرة لاسرائيل نفسها من حيث خدمة اضعاف الدولة اللبنانية واستمرار العدو من خلال شبكات تجسسه في اللعب على التناقضات اللبنانية ولا سيما اضعاف الدولة المركزية في لبنان واستباحة الارض والشعب الى ما شاء الله وكله تحت شعار مقاومة اسرائيل: فيسأل السائل هل يا ترى اصبحت مقاومة اسرائيل مقاومة قيام الدولة اللبنانية القوية؟ وبالتالي اوليس في ذلك اكبر خدمة لاسرائيل تهديها اليها تلك المقاومة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل