#adsense

توحد المسيحيين أوقف “المدّ الناصري” وانقسامهم سهّل المدّ الإيراني

حجم الخط

نتائج الانتخابات تقرر مصير لبنان هوية وكياناً ونظاماً لسنوات
توحد المسيحيين أوقف "المدّ الناصري" وانقسامهم سهّل المدّ الإيراني

بات واضحا للجميع ان "حزب الله" لن يتخلى عن سلاحه إلا اذا انتقلت اليه او الى حلفائه السلطة، اذا فازوا في الانتخابات النيابية المقبلة بالاكثرية، أو اذا تحقق السلام الشامل في المنطقة وتم التوصل الى تفاهم على موضوع الملف النووي الايراني. إن تصريحات مسؤولين في الحزب وفي أكثر من مناسبة تؤكد ذلك، وترى ان التخلي عن السلاح هو خارج أي بحث. اما الحوار الذي بدأ ولم ينته حول "الاستراتيجية الدفاعية" فليس سوى مضيعة للوقت ومناسبة للقاءات ترطب الأجواء.

ويرى مسؤولون سابقون وحاليون انه لن تقوم دولة قوية قادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل أراضيها مع وجود سلاح خارج شرعيتها، وهذا ما حصل عندما كانت الدويلات هي التي تحكم الدولة. وجرت محاولة لنقل هذه الدويلات الى الدولة عندما انتخب الشيخ بشير الجميل رئيسا للجمهورية واغتيل قبل ان يكمل هذه المحاولة، وعندما دخلت القوات السورية الى لبنان وأوقفت الاقتتال فيه وبعد خروج المسلحين الفلسطينيين من لبنان الى تونس، لم تقم الدولة اللبنانية القوية في ذاتها بل قامت الدولة القوية بالوصاية السورية.

وقد عجزت الدولة اللبنانية، نظرا الى ضعفها، عن حمل الميليشيات على التخلي عن سلاحها، واشترطت أن يتم أولا تسليم سلاح الفصائل الفلسطينية ليصبح السلاح في يد الدولة وحدها وتكون مسؤولة عن حفظ الامن في كل البلاد. لكن السلاح الفلسطيني كان يحظى بغطاء "الحركة الوطنية"، وتحديدا بغطاء شريحة كبيرة من المسلمين، بدعوى ان هذا السلاح هو سلاح مقاومة في وجه اسرائيل ودفاعا عن القضية الفلسطينية، وهو يختلف بوظيفته وأهدافه عن سلاح الميليشيات اللبنانية. وقد حالت التغطية المسيحية لسلاح "القوات اللبنانية" والتغطية الاسلامية لسلاح ما كان يعرف بـ"القوات المشتركة" وسلاح الفصائل الفلسطينية، دون تخلي أي منها عن سلاحها، الامر الذي فرض دخول القوات السورية الى لبنان لوضع حد لمشكلة السلاح خارج الشرعية، وقد دفع اللبنانيون ثمن ذلك وصاية سورية دامت ثلاثين عاما… خسروا خلالها السيادة الكاملة والاستقلال التام والقرار الوطني الحر.

وما أن انتهت مرحلة حكم الميليشيات بعد حرب داخلية استمرت 15 عاما سقط فيها مئات آلاف القتلى والجرحى وانهارت مؤسسات الدولة، وعمّ الخراب والدمار المرافق العامة والخاصة، حتى عاد السلاح خارج الشرعية الى الظهور داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها، وفي أيدي بعض الاحزاب ولا سيما "حزب الله" الذي نجح في اعطاء سلاحه وظيفة وطنية هي تحرير الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي والرد على أي عدوان يقع على لبنان، وأصبح لهذا السلاح قدسية تحافظ عليه ولا تجعله موضع جدل بعدما نجح الحزب في ارغام اسرائيل على الانسحاب من الجنوب تحت وطأة عملياته النوعية، لكن وظيفة هذا السلاح أصبحت مطروحة على بساط البحث عندما تحول نحو الداخل في 7 ايار وهو ما كان ممنوعا لا بل محرما لئلا يثير فتنة.

وظل سلاح "حزب الله" معضلة يستعصي حلها، لا لأنه يحظى بغطاء اقليمي بل لأنه يتظلل بغطاء داخلي ايضا. وهذا الغطاء هو الذي يوفره له العماد ميشال عون لان نظرته الى هذا السلاح تختلف عن نظرة زعماء مسيحيين آخرين، ولا يشعر عون بالخطر الذي يشعر به هؤلاء لجهة قيام الدولة القوية القادرة، ولا يصدق ما يقوله هؤلاء الزعماء عن أهداف هذا الحزب ومشاريعه التي تهدد سيادة لبنان واستقلاله وهويته وكيانه، وأن ولاءه الاول هو لولاية الفقيه وكل القرارات الكبرى، بما فيها قرار الحرب والسلم، تصدر عن ولاية الفقيه في ايران وان أفق الحزب يمتد نحو العالم العربي لقلب الانظمة فيها وانهاء وجود الدولة الاسرائيلية في المنطقة.

ومن الطبيعي ان يؤدي انقسام المسيحيين حول تقويم هذه الاخطار الى تهديد مستقبلهم ومصير لبنان هوية وكيانا، كما يهدد وجود الدولة القوية القادرة التي لا سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، لان مثل هذه الدولة هي التي تحمي الجميع، ولا تتولى كل طائفة حماية نفسها بقوتها الذاتية لتصبح دولة ضمن الدولة.

ويقول عميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس اده في هذا الصدد ان على الناخب اللبناني عموما والمسيحي خصوصا ان يدرك ان هناك علاقة مباشرة بين نجاح العماد عون في الانتخابات ودعمه "حزب الله" او اعطاء تغطية له ومشروع تحويل لبنان "جمهورية اسلامية" بحسب كتاب نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. فاذا فاز العماد عون وحليفه "حزب الله" في الانتخابات النيابية المقبلة بالاكثرية النيابية، فان هذه الاكثرية ستطالب بتعديل دستور الطائف على نحو قد يثير خلافات داخلية حادة، وأن تتمثل تمثيلا كاملا في مؤسسات الدولة ولا سيما المؤسسات الامنية والعسكرية والمخابرات، وعندها يتمكن "حزب الله" وحلفاؤه من الامساك بزمام الدولة، واجراء استفتاء على المطالبة بالجمهورية الاسلامية، والقرار يكون قرار هذا الحزب المسلح لأنه الأقوى، ولن يكون للعماد ميشال عون تأثير على هذا القرار، فتتخلى أكثرية مناصريه عنه ولكن بعد فوات الأوان…
وهكذا، قد يهدّد الانقسام المسيحي المسيحيين في دورهم، وحتى في مصيرهم ومصير لبنان، في حين ان توحدهم هو الذي يدفع عنهم وعن لبنان شتى الاخطار، فلولا "الحلف الثلاثي" الذي ضم الزعماء المسيحيين البارزين: كميل شمعون وريمون اده وبيار الجميل، لما أمكن الوقوف في وجه "المد الناصري" بعدما أجمعوا على انه يشكل خطرا على استقلال لبنان وسيادته وكيانه، ويذيبه في محيطه، فخاضوا الانتخابات عام 1968 بلوائح موحدة كسحوا بها كل مقاعد الجبل.

أما الوضع اليوم فمختلف عنه في الماضي، لأن النظرة ليست واحدة الى امتداد "الثورة الايرانية" الى لبنان والمنطقة كي يتوحد الموقف المسيحي منه، كما توحد حيال "المد الناصري" فكان "الحلف الثلاثي". فانقسام المسيحيين حيال المد الايراني حال دون قيام مثل هذا الحلف، توصلاً الى تشكيل لوائح موحدة يضمن فوزها تكوين اكثرية نيابية تؤمن بلبنان أولا وأخيرا وتحول دون جعله مساحة مفتوحة لصراعات المحاور يدفع ثمنها من سيادته وحريته واستقلاله، لا بل من استقراره وازدهاره.

المصدر:
النهار

خبر عاجل