لماذا أثار برنامج عون لـ"الجمهورية الثالثة" حساسيات ومحاذير؟
تخوّف من اتجاهات انقلابية ذات امتدادات إقليمية
لماذا اثارت "الجمهورية الثالثة" التي يخوض على اساسها النائب الجنرال ميشال عون الانتخابات النيابية الحساسية وربما المخاوف من انقلاب قد تشهده البلاد في حال فوز قوى 8 اذار بالاكثرية في الانتخابات النيابية؟
فبرنامج "الجمهورية الثالثة" الذي وزعه "التيار الوطني الحر" كبرنامج انتخابي يثير اشكاليات على المستوى السياسي بعد التحول المبدئي الذي قام به زعيم "التيار" العماد عون على الصعيد السياسي والوطني العام، لم يتضمن ما كان سماه التيار في برنامجه للعام 2005 – والذي فاز على اساسه بالغالبية المسيحية – "الملحق رقم 1: مسألة حزب الله" والذي ورد فيه: "ينص كل من القرار 1559 واتفاق الطائف على تجريد كل الميلشيات من اسلحتها مما يطرح اشكالية الوجود المسلح لحزب الله… وبعد الانسحاب الاسرائيلي تلاشت مشروعية العمل المسلح لحزب الله فخلق ازمة على الصعيدين الوطني والدولي فهو يضع لبنان في مواجهة القانون الدولي من جهة ويهدد الوحدة الوطنية من جهة اخرى بوصفه ينم عن احتكار للقرار الوطني من طرف واحد. وليس من شأن علاقة حزب الله المعلنة مع ايران المتشددة وتحالفه مع حركتي "الجهاد الاسلامي" و"حماس" ان يبدد الشكوك المحيطة باهداف "حزب الله" الحقيقية والاخطار المتصلة باستراتيجيته"، كما جاء في الكتيب – البرنامج. كذلك لا يتضمن البرنامج الجديد وان تطرق الى موضوع الديموقراطية ما اورده البرنامج السابق من ان "وجود الموالين والمعارضين معا في حكومة واحدة ونظام الترويكا كلها هرطقات دستورية". وكذلك "ان الوزير الذي لا يوافق رئيس حكومته في سياسته يجب ان يقدم استقالته او ان يعفى من مهماته فحتى في الديموقراطيات التي شهدت على نظام تعايش يكون صوت مجلس الوزراء موحدا".
وهذه المبادىء تبدو كأنها صارت وراء تطورات الاعوام الماضية، في حين ان البرنامج الجديد يقوم في غالبيته على ما يقارب 49 صفحة من اصل 56 – بينها اربع صفحات لما ادرجه "التيار الوطني الحر" تحت عنوان انجازاته – على مقاربة للمسائل الاجتماعية والبيئية والتربوية وما شابه مع اربع صفحات لعناوين عامة "للامن والدفاع والدولة المدنية وتعزيز الديموقراطية" بحيث لا يمكن القول ان "التيار الوطني" يسرف في الحديث عن تحول سياسي بمعنى الانقلاب، وان كانت المعارك السياسية للعماد عون في كل الاتجاهات باستثناء حلفائه، وما تتضمنها من مواقف بين المحاسبة والمساءلة، الى حد يذكر بما قام به الرئيس السابق اميل لحود في اول اشهر من عهده وصولا الى الانتقادات للاميركيين وتهجمه على الاعلام وامور عدة اخرى تترك علامات استفهام، تلاقيها من المقلب الاخر مواقف مرشحي "حزب الله" الذين يتحدثون عن تغيير للنظام نتيجة الانتخابات واحتمال فوز الحزب بالاكثرية.
وتلتقي هذه الانطباعات مع الاطار الذي يتناول به المجتمع الخارجي هذا الاحتمال والذي ينطوي على مخاوف كبيرة من تحويل لبنان نتيجة ورود هذا الاحتمال الى "غزة" اخرى على صعوبة ان يكون لبنان كذلك. لكن المقاربة تحصل لما يمكن ان يواجه لبنان اولا من عودة سوريا الى الامساك بالاكثرية النيابية والحكومية عبر حلفائها، وتاليا استعادة نفوذها كاملا في لبنان وثانيا من تحول القرار السياسي اللبناني الداخلي والخارجي الى كل ما يلائم سوريا ويدور في فلكها، بحيث ان خروجها كان من الباب عام 2005 وعودتها من النافذة عام 2009 وثالثا ان انعكاسات ذلك ستعيد اقفال المجتمع الخارجي على لبنان، فضلا عن تداعيات بالغة السلبية متوقعة على الصعيد الاقتصادي نتيجة احتمال توقف المساعدات على انواعها وكذلك الاستثمارات. حتى ان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وفي معرض حضه المجتمع الدولي قبل يومين على عدم التعامل مع هذا الاحتمال كما تعامل هذا المجتمع مع غزة حين فازت حركة "حماس" في الانتخابات وساهم الجميع في محاصرتها وعزلتها يكشف ضمنا ما يمكن ان يواجهه لبنان نتيجة المخاوف من تغيير قد يتعرض له النظام في لبنان في حال فاز "حزب الله" وحلفاؤه. وهو ما يشي بوجود مخاوف حقيقية ليست داخلية فحسب، بل ايضا خارجية تستبطنها الشعارات المطروحة من قوى 8 اذار فضلا عن الاعتقاد لدى المتابعين والمراقبين الخارجيين ان التغيير لن يحدثه "التيار الوطني الحر" بل يرجح ان يحدثه "حزب الله" الذي يملك كل الوقت من اجل تحقيق ما يصبو اليه في لبنان، نظرا الى امتدادات اقليمية معروفة بمشاريع معروفة ايضا والذي قد لا يكون مستعجلا كما يفعل حليفه من اجل المناداة بالتغيير فورا على ما تطرح شعارات التيار.
وتاليا ان ما ورد في البرنامج لا يثير في حد ذاته اي اهتمام استنثنائي، في حين ان المشاكل الحقيقية هي في التفاصيل. وما يتركه في عنوانه وما يفيد منه خصومه ان اي برنامج يود العماد عون تنفيذه ينطوي على معارك سياسية مستديمة، مع ضرورة ان يستعد اللبنانيون لخوضها في السنوات المقبلة، في حين كان يتعين على هذا التيار قبل سواه خوض الانتخابات على قاعدة انه حان للبنانيين ان يستقروا بعد استعادة استقلالهم وسيادتهم. اضف الى ذلك ان البرنامج نفسه يتضمن تناقضات، سرعان ما ستبرز لكن لن يتوقف عندها التيار على الارجح بعد الانتخابات واقربها مفهومه لتعزيز الديموقراطية بهدف هو الفصل بين النيابة والوزارة وما اذا كان سيستبعد نوابه عن الوزارة ويقدم سواهم ام لا.