رهين التعطيل…
واضحٌ للعيان، وللقريب والبعيد، ان لبنان لا يزال رهين سياسة التعطيل، وعن سابق تصوُّر وتصميم، وتنفيذاً لخطة قديمة مستجدة هدفها الأول والأخير منع لبنان من النهوض والانطلاق، والحؤول بينه وبين عودة الاستقرارة والحياة الطبيعيَّة.
وهو في محنته هذه لا يختلف عن رهين المحبسين، كما لا يختلف عن ذاك الذي من بيت أبيه ضُرب.
وواضح كذلك للبنانيين والعرب والاوروبييّن والأميركيين والروس، وحتى السكان الاصليين في كندا واوستراليا وأحفاد حضارة المايا، ان التعطيل لا علاقة له بالمحاصصات والتسميات، وانما هو يشكّل مشروعاً سياسياً "مستقبلياً".
على الأقل مطلوب منه تمهيد الطرق والمسارات لمشروع أكبر وأخطر يتصل مباشرة بالنظام اللبناني المعتمد، وباتفاق الطائف، والمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وقيام المؤسسات الدستورية بدورها كاملاً، وصولاً الى بلوغ اللامركزية الادارية والغاء الطائفية السياسية.
كل هذا أصبح مستهدفاً اليوم. الجمهورية الثانية مستهدفة أيضاً. المناصفة التي تحفظ التوازن في بلد الموزاييك مستهدفة كذلك.
وعلى ما تقول عرّافة دلفي، وعلى ما يؤكدّ وزراء ونواب وسياسيّون بالصوت والصورة، هناك مشروع خطير يكمن وراء هذا الاصرار على تعطيل المؤسّسات والادارات والمصالح والمجالس، والحؤول دون التعيينات وملء الوظائف الأساسيَّة الشاغرة.
والذي يساعد في اثارة الظنون والشكوك هو تمسُّك فريق المعارضة، بكل فروعه المحلية والاقليمية، بمنع مجلس الوزراء من اكمال تعيين أعضاء المجلس الدستوري.
وما حصل في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء يشكٍّل دليلاً إضافياً ودامغاً على ان مخطّط التعطيل القديم إيّاه لا يزال يساري المفعول، رغم كل مظاهر "التعاون"، ورغم التخلّي "موقتاً" عن لغة التهديد والوعيد والتهويل بالويل والثبور وعظائم الامور.
الكبير والصغير كما المقمَّط بالسرير يعرف انها "خطة عابرة" لمرحلة لا تتعدى اليوم التالي الذي يلي اعلان نتائج الاقتراع، وفرز الفائزين والخاسرين، وتظهير صورة من نال الاكثرية، ولمن كانت حصة الأقلية.
بعد ذلك بأيام، إن لم يكن بساعات، ستعود حليمة الى عادتها القديمة، وسيعود هدير تلك الاصوات التي تمهٍّد لدويّ المدافع، كما ستعود نغمة المثالثة والثلث المعطل وتعطيل ما هو معطل وادخال البلد برمته الى كرنتينا التعطيل من أول وجديد.
وقد يكون في الكواليس ما هو أشد وأدهى.
منذ أربع سنوات وورشة التعطيل ناشطة على قدم وساق. ولم يترك المعطّلون وسيلة إلا استخدموها في ورشتهم. حتى اللجوء الى السلاح والاجتياح وفتح باب الصدام المذهبي على مصراعيه طرقوه وفتحوه.
والجرح لا يزال ينزف حتى اللحظة.
ومن غير المتوقَّع أن يتساهل المعطّلون، أو أن يتجاوبوا مع أصحاب المساعي الحميدة، ويسمحوا للتعيينات الضرورّية جداً بالمرور.
خصوصاً ان اقتراب موعد الاقتراع يستوجب حكماً وجود مجلس دستوري بكامل اعضائه، ومستعد لاستقبال أي طعن وأي اعتراض وأية شكوى من أي مرشح أو تيار أو كتلة.
إنها سياسة التعطيل، بل إنه مشروع التعطيل الذي يهيئونه لمحاصرة الدولة والبلد… إن لم تصبّ نتائج الانتخابات في خانة مصلحتهم.