قراءة الدستور بردّ فروعه إلى أصوله والدفاع الوطني عن المقام الأول عنوان المرحلة
الموالاة هي لرئيس الدولة.. وإلاّ لٍمَنْ؟
لم يتقدّم فريق 8 آذار ببرنامج سياسيّ موحّد يخوض على أساسه الإنتخابات. لكن هذا الفريق بات أقرب ما يكون لصياغة برنامج فعليّ، غير رسميّ. سيشرع بتنفيذ الحدّ الأدنى من هذا البرنامج إن خذلته نتائج الإقتراع، والحدّ الأقصى منه إذا ما انحازت لصالحه الصناديق.
"تعطيل مؤسسات الدولة" هو العنوان الأبرز لبرنامج 8 آذار في حدّه الأدنى، أي في حال الخسارة الإنتخابية. يعني ذلك شيئاً من قبيل تمديد إتفاق الدوحة من طرف واحد وإلى أجل غير مسمّى، وعدم السماح بانطلاقة فعلية لعهد الرئيس ميشال سليمان.
أما في حال الفوز، فسينتقل فريق 8 آذار إلى برنامج الحدّ الأقصى وعنوانه "تفكيك مؤسسات الدولة"، والشعار هو "إعادة تكوين السلطة"، أي نقض كل ما من شأنه التذكير بمبدأ الفصل بين السلطات في النظام الجمهوريّ البرلماني، و"الحجر" على مقام الرئاسة.. بل أكثر.
في المقابل، فإن فريق 14 آذار الذي تقدّم ببرنامج سياسيّ موحّد يخوض الإنتخابات النيابية على أساسه، لم يصغ بعد حدّاً أدنى وحدّاً أقصى لإنتظاراته، وقد بات ضرورياً أن يسارع إلى ذلك الآن.
إن فاز فريق 14 آذار في الإنتخابات فإنّ الحدّ الأقصى لبرنامج 14 آذار يجب أن يكون: المبادرة إلى تشكيل أوسع كتلة دستوريّة ـ تاريخيّة يكون محرّكها الأساسيّ التواصل بين رئيس الجمهوريّة والحركة الإستقلاليّة، مع إحترام الحركة الإستقلالية لخصوصية موقع الرئاسة. المهمّ حينها هو تعطيل التعطيل، فكلّ ما هو تعطيليّ غير دستوريّ، وكلّ ما هو دستوريّ يهدف إلى تجاوز عقد التعطيل.
أمّا إذا خسر فريق 14 آذار الإستحقاق، فينبغي أن يبادر إلى الإنتظام في كتلة دستوريّة ـ تاريخية يكون الدفاع عن مقام الرئاسة عنوانها الأبرز، ويكون رئيس الجمهوريّة هو ركنها الرئيسيّ. فالأهم حينها هو التصدّي لمؤامرة تفكيك مؤسسات الدولة، ومنع تغيير هويّة لبنان الوطنية والقومية، المفتوحة على البحر وعلى الغرب.
بمعنى آخر، إمّا أن يقترب رئيس البلاد من الحركة الإستقلالية في حال فوزها، وإما أن يذوب الإطار الحاليّ للحركة الإستقلالية في أوسع كتلة موالية لرئيس البلاد في حال الخسارة.
وكي تتحلّى الحركة الإستقلالية بهذا المستوى المطلوب من الوعي الدستوريّ ـ التاريخيّ عليها أوّلاً أن تعيد النظر بجملة مفاهيم يجري تسويقها في الحياة السياسية اللبنانية على نحو مغلوط. بالدرجة الأولى، لا بدّ من تصويب مفهوم "الموالاة" نظراً لمركزيته في المرحلة المقبلة.
فـ"الموالاة" لا تكون في النظم الدستوريّة، سواء كانت ملكية أو جمهوريّة، رئاسية أو برلمانيّة، إلا لرئيس الدولة. وما لم يكن هناك رأس واضح للدولة لا يعود هناك مجال للحديث عن "موالاة".
لكنّ الدستور اللبنانيّ، وحتى بعد الطائف، واضح جدّاً في هذا المجال. فطبقاً للمادة 49 منه رئيس الجمهورية هو "رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن". هناك إذا رئيس واحد للدولة ورمز واحد لوحدة الوطن. المادة 49 تنيط به أيضاً "السهر على احترام الدستور"، أي أنّه المراقب العام على كل المؤسسات الدستوريّة. والمادة 50 توضح الأمر أكثر أن تجعله "القابض على أزمّة الحكم".
بالتالي فإن كل وضع من شأنه تعطيل أي صفة من صفات رئيس الجمهورية بوصفه رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن والمراقب العام على كلّ المؤسسات الدستوريّة والقابض على أزمّة الحكم طبقاً لأحكام المادتين 49 و50، هو لزاماً تعطيل غير شرعيّ وغير دستوريّ، أيّاً كانت الحجّة التي يتلطّى وراءها هذا التعطيل، ولو اتخذت مسنداً لها في المواد الإجرائية الصرف من الدستور.
فالدستور أيضاً فيه أصول وفروع، ولا يقرأ الدستور إلا بردّ فروعه إلى أصوله. والأصل في مقام رئاسة الجمهورية طبقاً لأحكام الدستور اللبنانيّ أنّه "رئيس الدولة".
الموالاة لا تكون إلا لرئيس الدولة. هذا بصرف النظر عن الصلاحيات الإجرائية الفرعية التي يعطيها الدستور له. هِب أن رئيس الدولة ليس رئيساً لسلطتها التنفيذية، يبقى أن رئيس الدولة وليس رئيس سلطتها التنفيذيّة هو الذي يقرّر ما يُعرف في العلم القانونيّ بـ"حال الإستثناء".
رئيس الدولة هو المرجعية التحكيميّة التقريريّة العليا، وكل تعطيل للمؤسّسات، يعطي لهذه المرجعية التحكيمية تفويضاً مباشراً.
الفارق بين رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذيّة أن الأخير يطبّق القوانين، ويقتصر مجاله على الأحوال التي تغطيها قوانين واضحة. أمّا رئيس الدولة فهو من يقرّر حال الإستثناء، أي أنه المرجع الأعلى حيال كل أمر طارئ غير مغطّى بقوانين واضحة تفصل فيه، أو حيال كل أمر ليس من الممكن واقعياً الإحتكام إلى مرجعية القوانين المفترض أن تكون مرعية الإجراء للنظر فيه. يسري ذلك خصوصاً إن لم تتمكن السلطة التشريعية من ممارسة صلاحياتها في تفسير الدستور (وهي صلاحيات تمارسها السلطة التشريعية ككل وليس رئيسها الذي يبقى بشكل أو بآخر أمين سرّ أعلى لها).
فلا عجب بعد ذلك أن تكون الموالاة لرئيس الدولة من حيث هو القائم بأحكام الدستور، والمراقب العام للمؤسسات الدستوريّة، والسيّد الذي يقرّر في حال الإستثناء، أي في حال تعطّلت المؤسسات الدستوريّة أو نُكب البلد بكارثة أو بعدوان.
ومعنى ذلك أنّ أي أكثرية تفرزها الإنتخابات النيابية لا يمكن أن تنسب لنفسها صفة "الموالاة" إلا إذا كانت موالية لرئيس الجمهوريّة، وإلا فهي تكون موالية لمن؟ موالية "للمعارضة" أم لدول أجنبية؟!
وأي أكثريّة لا تستطيع أن تؤمّن لنفسها صفة "الموالاة" لرئيس الدولة لا تستطيع أن تحكم، أو يكون حكمها أمراً واقعاً باطلاً دستوراً وميثاقاً، إذ لا يجوز تبعاً لأحكام الفقرتين 49 و50 من الدستور اللبنانيّ أن ترهن صفات رئيس الجمهوريّة كرئيس للدولة ومراقب عام لمؤسساتها ومقرّر حال الإستثناء فيها وحافظ لوحدتها، تبعاً لميزان الكتل العدّدية في المجلس النيابيّ.
إن منطق الحكومة "المعارِضة" لرئيس الدولة هو منطق غير دستوريّ. ولا فارق هنا بين نظام برلمانيّ ونظام رئاسيّ. النظام الدستوريّ يكون برلمانيّاً حين تكون السلطة التنفيذية منبثقة عن السلطة التشريعيّة. الأساس في النظام البرلمانيّ إمكان حلّ البرلمان وإمكان حجب البرلمان الثقة عن الحكومة. في المقابل لا تنبثق السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعيّة في النظام الرئاسيّ، وبدلاً من مبدأ "الفصل والتعاون بين السلطات" يحلّ مبدأ "التوازي بين السلطات"، ولا يكون هناك إمكان لحلّ البرلمان أو لإقالة الحكومة من طريق حجب الثقة البرلمانيّة عنها.
وطبقاً لهذه الفلسفة الدستوريّة، فإن الدستور اللبنانيّ، قبل الطائف، كان نظاماً برلمانيّاً صرفاً لأن الأساس في النظام البرلمانيّ هو إمكان حلّ البرلمان وإمكان حجب البرلمان الثقة عن الحكومة. ولم تكن الصلاحيات الإجرائية القوية نظرياً لرئيس الجمهورية لتلغي الطابع البرلمانيّ للنظام ككل.
أما الدستور اللبنانيّ بعد الطائف فإنّه، وعكس كل المقاربات المتسرّعة، قرّب نظامنا من النموذج الرئاسيّ حين قيّض إمكان حلّ البرلمان من قبل رئيس الجمهوريّة، وإن كان سحب الصلاحيات الإجرائية القويّة من رئيس الجمهوريّة ومن بينها صلاحية حلّ البرلمان دون الرجوع الى الحكومة. في الأمر مفارقة لا شكّ من ذلك، ولا تخلو النصوص الدستوريّة من مفارقات. إنّما المهمّ أن حيويّة النصوص الدستوريّة تقدّم معالجات لهذه المفارقات، والنصّ الدستوريّ بعد الطائف، يعطي الطريق إلى حلّ هذه المفارقة من خلال تأكيده على صفات رئيس الجمهورية كرئيس للدولة ومراقب عام للمؤسسات الدستوريّة وقابض على أزمّة الحكم، أي مقرّر لحال الإستثناء، وكل هذه الصفات تعطيه مجالاً واسعاً للتحرّك في حال تعطّل مؤسسات الدولة أو في حال محاولة تفكيكها من داخل وخارج.