#adsense

وزراء الثلث المعطّل

حجم الخط

وزراء الثلث المعطّل

 لم يطل الوقت كثيراً، بين الكشف عن نيّات عدائية مضمرة ضد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، من قبل تكتل الثامن من آذار بشقّيه المسيحي والمسلم، وبين المسارعة المضطربة الى نفي وجود مثل هذه النيّات، بعدما تم اكتشافها وتسليط الضوء عليها من قبل تكتل الرابع عشر من اذار، ومن المستقلّين الذين يتشاركون مع التكتل في دعم الدولة ورئيسها، حتى القي القبض على وزراء الثلث المعطل، بالجرم المشهود وهم يرتكبون موقف المواجهة مع رئيس البلاد، عندما رفضوا باجماعهم، اقتراح التعيينات في مناصب اساسية محدودة وضرورية لصدقية وشفافية ونزاهة وانتظام العملية الانتخابية النيابية، الذي قدّمه وزير الداخلية والبلديات المحامي زياد بارود، وهو وزير محسوب على حصة رئيس الجمهورية وفق تسوية الدوحة، وبذلك اثبتت قيادات 8 اذار دون استثناء احد، ان مشكلتها ليست مع فريق الاكثرية وحسب، بل تتجاوزه لتطول الرئيس سليمان، الذي على ما يظهر، يريدونه رئيساً على شاكلة الرئيس السابق اميل لحود، حين كان يرضخ للاملاءات والتوجيهات ومعاداة الاكثرية الساحقة من اللبنانيين، في حين ان الرئيس سليمان يلتزم بما اقسم عليه اليمين، وقسمه هذا يحتّم عليه التمسك بالدستور والسهر على تطبيقه، وبمراقبة عمل الوزارات والمؤسسات والاجهزة بما يكفل تنشيط عمل الدولة وتفعيله، ويحتّم فوق هذا كله ان يكون الحاكم المترفّع عن الانحياز، الاّ لمصلحة الدولة والشعب، وليس رئيساً لهذه الطائفة او تلك، او هذا الحزب او ذاك، ومن المؤسف ان هذا التعطيل الفاجر يأتي، على ما اشارت اليه المعلومات، بعد موقف قيادات 14 اذار في آخر جلسة حوار في قصر بعيدا، حين اعطوا الرئيس سليمان وكالة ثقة غير قابلة للمراجعة او العزل، بأن يسمّي الاشخاص الذين يرى فيهم كامل الكفاءة والنزاهة والتجرّد، لاستلام اي منصب من مناصب الادارة العامة او القضاء، واذا كان الرئيس سليمان قرر اللجوء الى التصويت داخل مجلس الوزراء، فانه كان يريد توجيه رسالة الى الجميع، موالين ومعارضين، اليوم وغداً، بعد الانتخابات النيابية، ان الاحتكام الى دستور الطائف، هو المبدأ الذي سوف يتمسّك به طول مدة ولايته، واي خروج عنه، من اي جهة اتى لن يكتب له النجاح، لانه سوف يكون بالمرصاد لكل من يعمل او يحاول القفز فوق «الكتاب» الذي هو الدستور.

* * * * *
الغريب في الأمر ان رئيس المجلس نبيه برّي، الذي يعتبره البعض مقرّباً من الرئيس سليمان، اعطى الضوء الاخضر بعد زيارة قصر بعبدا والاجتماع برئيس الجمهورية، لوزرائه ووزراء الاقلية النيابية، بتعطيل تعيين اي محافظ او اي مدير عام، ما لم يكن هذا التعيين من ضمن «سلّة تعطيل» كبيرة، يستحيل حشر عشرات المرشحين فيها قبل موعد الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل، وعلى الرغم من محاولات التخفيف من اهمية ما حصل داخل مجلس الوزراء، وان الامور في طريقها الى المعالجة والتوافق قبل جلسة مجلس الوزراء المقبلة، على سلّة قد لا تكون كاملة لتعذّر ذلك، الاّ ان الانسحاب «المتوتر» لوزير حركة أمل غازي زعيتر من الجلسة «احتجاجا» وبقاء رفاقه وحلفائه، قد يكونان في مضمونهما رسالة الى الحكم والحكومة عن مدى قدرة تكتل الثامن من اذار على التعطيل او التسهيل في ضوء ما قد يحصل عليه من مغانم ومكتسبات عند طرح السلّة الكاملة او حتى الناقصة.

على اي حال، فان تجربة الامس في مجلس الوزراء، والتجارب العديدة السابقة، التي تسببت بتعطيل استكمال المجلس الدستوري، واقرار الموازنة، والتعيينات الادارية في الفئة الاولى، والمعاهدة مع المحكمة الدولية من اجل لبنان، وغيرها من القضايا الهامة التي لها علاقة بمصالح الناس ومنعة الدولة، قد بيّنت بالملموس الموجع، ان حق النقض الذي اعطي للاقلية في الحكومة الحالية، وعدم موافقة العماد ميشال عون في الدوحة على اعطاء رئيس الجمهورية العدد الكافي من الوزراء ليتمكن من قيادة الدولة بحسم ما يجب حسمه، قد شلاّ عجلة الحكم، ولولا التحرك الديناميكي للرئيس سليمان في الداخل والخارج، لكان لبنان دخل في متاهات كبرى، ولذلك لم تعد مقبولة العودة الى اعتماد تجربة فاشلة، على قاعدة ان من جرّب المجرّب كان عقله مخرّباً، خصوصاً وان قيادات 8 اذار كانت دائما «تصرّح وتصرّخ» ان «جرّبونا وشوفو» ولكن اللبنانيين، حتى الساعة، لم «يشوفوا» سوى الاحلام المزعجة، والممارسات الكيدية، والخطاب المتدنّي، والاصرار الغريب على فكفكة البلد بضرب مؤسساته الحيوية الاساسية، كالجيش والقضاء، وقوى الامن، ومجلس الوزراء، تمهيداً لاسقاطه والاستيلاء عليه.

هناك خصومة سياسية شديدة التعقيد بين اللبنانيين، لم تصل بعد الى مستوى العداوة، ولكنها قد تصل الى هذه المرحلة في حال استمرت قيادات 8 اذار في انتهاج سياسة دق الاسافين بين مكوّنات المجتمع اللبناني بهدف هدم هذا المجتمع واعادة بنائه من جديد ليكون في خدمة اهداف هذه القيادات وطموحاتها البعيدة تمام البعد عن نسيج وثقافة وعادات المجتمع اللبناني، وعن الهدف الذي من اجله وجد لبنان.

ليتنا نبقى في دائرة الخصومة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل