#adsense

الجمهورية الثالثة زلاّت فرويدية أم إعلان نوايا

حجم الخط

الجمهورية الثالثة زلاّت فرويدية أم إعلان نوايا

"لا قرب نُعمٍ ان دنت لك نافع
ولا نأيها يرضي ولا انت تصبر
اذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا
لكي يحسبوا ان الهوى حيث تنظر"
عمر بن ابي ربيعة

زلاّت اللسان

في كتابه الذي اصدره سنة 1901، وعنوانه "الامراض النفسية في حياتنا اليومية"، قام "سيغمند فرويد" بتحليل مطوّل ومعقّد لزلاّت اللسان وزلاّت الافعال. وتعتبر الزلاّت، من لفظية او فعلية، تعابير نصف ارادية تحدث لضعف في سيطرة العقل الواعي على اللاواعي. وهذا يعني ان هذه الزلاّت تعبّر عادةً، بالنسبة لفرويد، عن حقيقة المكنونات النفسية والشهوات المكتومة. وهناك انواع من زلاّت اللسان التي تعود الى اخطار بسيطة حين لا تحمل اي مضمون نفسي منطقي وتكون هذه عادة اخطاء آلية.

إعلان نوايا

في إحدى أواخر خطبه، صرح السيد حسن نصرالله بأن مجلس النواب القادم سوف يقوم بانتخاب رئيس للجمهورية، وأظن انه لا يمكن القبول بأن من وضع على عاتقه حسابات نيات العدو وتعقيداتها، قد يكون أخطأ في حساب سنوات رئاسة الجمهورية، وقد يستنتج البعض ان القضية كانت خطأ غير مقصود! ولكن تكاثر المعلومات عن التعهد الذي يفرضه الجنرال الاقرب الى قلب السيد، بعد الجنرالات الخمسة (اذا اضفنا الجنرال اميل لحود)، مؤشر الى انه ينوي او يسعى الى تنظيم تحرك ما بعد الانتخابات لتأمين تنحية الرئيس ميشال سليمان حتى تفتح الطريق له ليصبح الرئيس الاول للجمهورية الثالثة. والجمهورية الثالثة بالنسبة للجنرال عون تتضمن تغييراً اساسياً في الدستور، عنوانه المعلن عن تيار الجنرال هو "صلاحيات رئيس الجمهورية"، وقد كان تركز هذه الصلاحيات في فترة الجمهورية الاولى في شخص الرئيس، أحد أهم أسباب اندلاع الحرب الاهلية. جاء اتفاق الطائف بحلول مؤقتة لاستمرار النظام الطائفي مع تأمين مشاركة اكبر لمختلف الطوائف في الحكم.

انا أقر من خلال التجربة المريرة للجمهورية الثانية، او جمهورية الطائف، بأن ثغراً شتى ظهرت في تطبيق المشاركة في الحكم بحيث تحول مركز القرار من أحادية رئاسية الى ترويكا رئاسية، تمكنت من تعطيل دور مجلس النواب ومجلس الوزراء، قد كان للوصاية السورية الدور الاكبر في فرض هذا الواقع. لقد أدت هذه الممارسة عملياً الى إلغاء الديموقراطية من خلال إلغاء دور المؤسسات، والواقع كان بالاساس كيفية إلغاء الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب.

ولكن العلاج هو بالعودة الى تطبيق الطائف بشكل كامل ومن ثم الانطلاق الى تطويره من خلال الآليات الدستورية لمعالجة الثغر الظاهرة والتي ستظهر، ومن خلال إنشاء مجلس شيوخ على طريق إنهاء حالة النظام الطائفي بحيث يتحول اللبنانيون الى مواطنين أفرادا، بدل أن يكونوا جماعات متناحرة ومتنافسة.

جمهورية المثالثة

أما طرح شعار الجمهورية الثالثة فإنه كان يقتضي أن يقوم طارحوه بشرح لمندرجاته خارج إطار التخفي وراء محاربة الفساد الذي لا يحتاج الى تعديل الدستور، والجمهورية الثالثة بناء على المعطيات المتراكمة قبل وبعد الطائف، ومن خلال أدبيات الجنرال عون، تفرض نوعاً من الفيدرالية الطائفية (الديموقراطية ضمن المجموعات المتجانسة! حسب قول الجنرال)، ويفترض أيضاً أن الجنرال سيعيَّن رئيساً على هذه الفيدرالية بداعي "الوفاء" من حليفه "حزب الله".

ورغم إنكار أركان "حزب الله" طرح "فيدرالية المثالثة" في خطابات قياداته، فإنه بمجرد الإصرار على الثلث المعطّل يعني التطبيق العملي لهذه الفيدرالية القائمة على حق الفيتو الطائفي.
وقد كانت المثالثة ضمن المناصفة قد طرحت أكثر من مرة كحل للنظام الذي كان قائماً في الجمهورية الأولى بعد 1943 خاصة أثناء جلسات الحوار التي جرت خلال الحرب الأهلية، ولكن هذا الطرح تم تجاوزه في اتفاق الطائف الذي أصر على المناصفة بغضّ النظر عن التحولات في أعداد ونسب الطوائف من عدد السكان. (للتذكير فإن "حزب الله" اعتبر الطائف مؤامرة لاستمرار الهيمنة المارونية، فيما اعتبره الجنرال عون مؤامرة على الطائفة المارونية!).

ولكن طرح المثالثة الآن لم يأت من نسج خيال قوى 14 آذار. فبعيد حرب 2006 الكارثية، طرح وزير "حزب الله" محمد فنيش ضرورة تغيير الطائف بناء على "المعطيات" المستجدة بعد الحرب لإدخال العنصر الإيراني على "اتفاق جديد"، باعتبار أن الطائف كانت نتاج توافق أميركي ـ سوري ـ سعودي، بناء على موازين القوى في سنة 1989، أما اليوم فإن هذه الموازين تغيّرت بدخول العامل الإيراني عليها.

والمرة الثانية كانت من خلال المفاوض الرئاسي الفرنسي جان كلود كوسران الذي طرح المثالثة ونسبها لاقتراح إيراني لحل قضية "سلاح حزب الله"، وكان ذلك في مؤتمر "سان كلو".

مشروع إسقاط الجمهورية

قد يكون ضيق صدر او قلة صبر الجنرال ما دفعه الى عجالة القبول بتحويل قضية توسيع صلاحيات الرئيس الى ترئيسه على فيدرالية ثلاثية، وهو يعلم بوضوح ان هذا النوع من الحكم سيقلص صلاحيات الرئيس من خلال الثلث المعطل، او حق الفيتو الطوائفي وبالمحصلة تقزيم وضع رئيس الجمهورية الى رئيس غيتو. وما حصل في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة يؤكد واقع الابتزاز الذي يشكله الثلث المعطل على رئيس الجمهورية.
اما بالنسبة لحزب الله، فان المثالثة لن تكون الا محطة جديدة من الخلاف والتعطيل الذي سيؤدي حكماً الى فشل الجمهورية والدولة التي لم يعترف بها حتى الآن، وبالتالي الى إعادة طرح الجمهورية الاسلامية التي هي امتداد لدولة الولي الفقيه، بعد تطفيش او تطويع المعارضين.

الرّد في 7 حزيران

إن حصول قوى 8 آذار على أكثرية ولو ضئيلة في الانتخابات القادمة، سيشكل تشجيعاً اضافياً لها في هذا المشروع، لهذا فإن من واجبنا السعي الى إفشاله من خلال التصويت لقوى 14 آذار وللمستقلين المتمسكين بشعار الدولة الموحّدة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل