كلام نصرالله غير مربح داخلياً ويعزز المحاذير الخارجية حيال فوزه
التصعيد الانتخابي لا يرسم اتجاهات نهائية لمصير لبنان بعد الانتخابات
لم ترَ غالبية المراقبين أي مبرر واقعي لكلام الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله التصعيدي واعتباره يوم 7 ايار 2008 "يوما مجيدا للمقاومة " على بُعد ايام قليلة من ذكرى 25 ايار، تاريخ انسحاب اسرائيل من الجنوب تحت وطاة أعمال المقاومة التي يحمل نشاطها ضد اسرائيل هذه الصفة. فتاريخ 7 أيار استذكره اهل بيروت لانهم كانوا ضحايا عمل مسلّح من افرقاء في الداخل يحملون سلاحا، وأُعيد التذكير به كشعار من شعارات الانتخابات وهذا لا يستدعي رد فعل مماثلاً وخصوصا ان الطائفة الشيعية ككل، وليس الحزب، فحسب لا تواجه معارك انتخابية في مناطقها فعلا، والقوى الشيعية في اي حال تتعامل مع اي موقف اعتراضي من ضمن الطائفة على نحو لا يجد اي رد فعل اعتراضي عليه الى حد يمكن معه القول ان الحزب لا يواجه تحديات انتخابية كي يرد بعصبية او يعبئ مناصريه للتصويت له. اضف الى ذلك انه اذا صح ما يقوله مرشحو الحزب والمسؤولون فيه عن ضمانهم من اليوم الاكثرية النيابية على ما اقنعوا غالبية المتصلين بهم من داخل ومن خارج، معززين باستطلاعات للرأي تخدم وجهة نظرهم، فان مبرراتهم للتصعيد على نحو مثير للحساسيات الطائفية والمذهبية تثير تساؤلات حقيقية عن ثقتهم بالفوز في الانتخابات في الدرجة الاولى، وعن احتمال القيام بأمر ما ميدانياً في حال بدا هذا الفوز بعيد المنال.
ففي القراءة المتأنية لما قاله السيد نصرالله لا يرى المراقبون كثيراً من الرسائل المربحة للحزب من خلال الاستهدافات الداخلية المباشرة، بل على النقيض من ذلك كليا، فاستفزاز السنة والدروز مجددا على اساس تمجيد 7 ايار لا يمكن ان يعتبر امرا جيداً، باعتبار ان السنة هم في غالبيتهم ضده، وكذلك الغالبية الدرزية في كل ما يرمز اليه هذا اليوم. وهؤلاء لن يغيروا رأيهم في المدى المنظور. وهذا الكلام لن يقوي موقف الامين العام للحزب شيعيا لأنه لن يكسب اصواتا شيعية جديدة. اما المسيحيون فهم ضائعون ويساهمون، بانقسامهم وعدم تشكيلهم قوة ثالثة حقيقية لها ثقلها وكلمتها المستقلة، في التشرذم الذي يعانيه لبنان بين فريق يريد ان يجعله بلد مواجهة، وفريق يود ان يعيش لبنان كسائر الدول العربية في انتظار ما يستجد بين الدول العربية واسرائيل على خط السلام في المنطقة. ولم يعد مفهوما ما اذا كان كلام نصرالله يخيف المسيحيين ام انهم يرتاحون اليه، لعجزهم عن تكوين خلاصات واضحة عن موقعهم الحالي والمستقبلي، وان تكن اسهل الطرق لهم هي الهجرة مجددا. فكلام نصرالله تضمّن في الواقع، وفق المثل الشعبي "ضربة على الحافر ضربة على المسمار"، وان يكن لا يعلق في الاذهان سوى تمجيده يوم 7 ايار وحديثه عن قدرة الحزب على ادارة لبنان وبلد اكبر منه بمئة مرة، كما قال، علما ان السيد يدرك ان هذا الكلام يقلق ولا يريح لان نموذج غزة هو اول ما يقفز الى الاذهان عند اثارة مثل هذا الاحتمال حيث تتحكم حركة "حماس" بالقطاع وتحاول منذ تسلمها السلطة فيه ان تفك الحصار الاسرائيلي والعزلة الدولية عنه، ولا يجد اهلها سوى في فتح معبر رفح متنفسا بين وقت وآخر. ومع ان لبنان مختلف عن غزة، وهناك فريق مسيحي مع الحزب وليس وحده في الحكم، فان الحزب لم يرتح الى اقفال دول غربية باب الاتصالات معه، بما يمكن ان يحمل ذلك من احتمالات بعد الانتخابات، وهو يخاطر راهنا بتخويف الناس والاستثمارات ورؤوس الاموال. وسوريا ايضا، غير المرتاحة الى ربط العالم الغربي العلاقة بها بأدائها حيال الانتخابات النيابية ونتائجها، تنفّس انفعالاتها في لبنان. وثمة من تحدّث عن اقتراحات عرضتها قطر بالنيابة عن سوريا، في شأن تكرار تجربة حكومة الوفاق الوطني بعد الانتخابات النيابية كما هي راهناً، الامر الذي لم يجد له صدى حتى الآن، علما انه سبق للرئيس السوري بشار الاسد ان رمى هذا الاقتراح في البازار السياسي على نحو مسبق. لذلك يجد اصحاب هذه المعطيات في ما قاله السيد نصرالله عن "حكومة توافق بعد الانتخابات وإلا نستطيع ان نحكم وحدنا" تهديدا بوجوب الأخذ بهذا الاحتمال مجددا، لان قوى 8 آذار لا يمكنها ان تحكم فعلا من دون الافرقاء الآخرين وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات، أكانت سلبا ام ايجابا بالنسبة اليها، وذلك تحت وطأة التهديد بـ7 ايار جديد واضطرار الآخرين في الخارج عند ذلك الى فتح صفحة الحوار والتحدث مع الحزب قسرا في ضوء التطورات الجديدة، ما لم يقاطعوه على ما حصل مع " حماس" بالنسبة الى غزة.
وتبعا لذلك يرى كثر من المراقبين ان السقف الانتخابي يظلل في الدرجة الاولى كل المواقف السياسية اكثر من اي امر آخر، مع مزيد من شخصية صاحب الموقف التي تتفاوت بحسب الاشخاص، بين التعبير الهادئ والتعبير الانفعالي، بحيث لم تعد غالبية المواقف تشكّل مؤشرا او معلماً لاتجاهات معينة بمقدار ما هي ترمي الى إجراء مزيد من الحسابات، وخصوصا ان هناك مجموعة مخاوف على عتبة تطورات اقليمية يرغب معها كثير من الدول والافرقاء ان يكونوا لاعبين فاعلين واساسيين، ويخشى ان تأتي هذه التطورات على حسابهم او لمصلحة غيرهم. لذلك لا اوهام لدى المراقبين تماثل الانفعالات التي تتصاعد في الداخل حيال رسم سيناريوات متسرعة ومبكرة للوضع في لبنان بعد الانتخابات.