#adsense

مملكة النسيان

حجم الخط

مملكة النسيان

العتب الكبير الذي شعرت به بيروت بعد سماعها خطاب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله هو انه تأخّر في شرح افضال 7 ايار 2008 وبركاته اكثر من عام مما فوّت على المدينة واهلها فرصة تقديم التهنئة والتبريكات لسماحته على الانجاز الذي حققته عناصره المسلحة في ذلك اليوم "المجيد من تاريخ المقاومة". ويزداد العتب عند زعيم بيروت النائب سعد الحريري الذي ظن الظنون عندما انهمرت القذائف الصاروخية فوق قريطم في ذلك اليوم فلم يعلم حتى البارحة ان القذائف ومطلقيها انما فعلوا ذلك من اجل العاصمة فاعتبر كل هذه المدة ان الاذى لحق ببيروت ولا يزيله سوى اعتذار الفاعل الذي لم يعتذر حتى اليوم الى ان خرج بتوضيحاته وشروحه. ويصل هذا العتب الى الذروة عند اهالي ضحايا ذلك اليوم "المجيد" الذين امضوا العام المنصرم في حسرة فقدان احبتهم غدراً فيما هم ذهبوا فداء لهذه الاهداف النبيلة التي شرحها السيد فلم يبق تفصيلاً مستوراً.
بالطبع هناك انجاز لا بد من توجيه العناية اليه الا وهو شعار "ما مننسى والسما زرقا". وحدها هذه العبارة التي ارتفعت فوق لوحات الاعلانات استطاعت ان تحرّض نصرالله على الكشف عن خبايا نفسه بعد كتمان دام اكثر من عام. لم يعلم صانع هذا الشعار ما هي اهمية هذه الخدمة الجليلة التي قدمها لبيروت ولبنان وسائر العالم عندما خط هذه العبارة السحرية. فكل الجهود والضغوط والظروف منذ 7 ايار 2008 لم تفعل فعلها عند الامين العام لـ"حزب الله" مثلما فعلت هذه العبارة. وبها ادركنا ما يقلق السيد. انه النسيان الذي لم تتعلمه بيروت طوال العام الماضي. وهذا ما حز في نفس قائد المقاومة. كان يتوقع ان تنسى العاصمة من تلقاء نفسها ما حصل فلا تحرجه فتخرجه ليكشف كل التفاصيل. ان النسيان نعمة لو علم البيروتيون كيف ينعمون بها فبدأوا يطبقونها منذ عام، وايضاً قبل اعوام وتحديداً منذ 14 شباط 2005. لقد حاول رئيس الجمهورية السابق اميل لحود ان يمنحهم نعمة النسيان في ذلك التاريخ فاوعز في بادرة حسن نية الى قائد حرسه الجمهوري العميد مصطفى حمدان بطمر الحفرة التي احدثها انفجار ذلك اليوم كي ينسى اللبنانيون "ضرب الرذالة" الذي اودى بالرئيس رفيق الحريري ورفاقه، لكن اللبنانيين لم يحسنوا التعامل مع هذه البادرة. ثم حاول الرئيس السوري بشار الاسد في نيسان 2005 ان يمنح لبنان نعمة النسيان فسحب جيشه الى ما وراء الحدود مع لبنان. لكن اللبنانيين ظلوا حتى الآن يتذكرون ان النظام السوري كان مسؤولا عندما وقع زلزال اغتيال الحريري. ثم حاول زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون الذي عاد في 7 ايار 2005 الى ربوع الوطن بعد 13 عاماً في المنفى الباريسي ان يقول ان نعمة النسيان وحدها تفيد فلتتوقف الذاكرة عند تاريخ عودته الى لبنان. اما ما قبلها فليذهب الى النسيان رأفة بذاكرة اللبنانيين، لكن هؤلاء لم يلتقطوا الاشارة فصار 14 شباط يكبر مع الزمن بدلا من ان يصغر. وهذه من عجائب ثورة الارز. وكلما ذهب اللبنانيون في اتجاه الذاكرة ذهب "حزب الله" وحلفاؤه في اتجاه النسيان. ثم ذهبوا الى المحكمة الدولية. وهو ذهب الى مسلسل تعطيل الحكم. هم ذهبوا الى طاولة الحوار. وهو ذهب الى حرب تموز 2006. هم ذهبوا الى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً. وهو ذهب الى 7 ايار. وهم يستعدون الآن للذهاب الى 7 حزيران. وهو ذهب الى اعلان 7 ايار 2008 يوماً مجيداً.
ولقد ادرك نصرالله ان مملكة النسيان باتت بلا اسوار. فقال بالفم الملآن: "المطلوب الا ننسى السابع من ايار حتى لا يكررن احد حماقة الخامس من ايار". فهل يجرؤ اللبنانيون على تكرار "الحماقة" التي حذرهم منها نصرالله؟ يبدو ان الرئيس سليمان فعلها في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء في 14 ايار الجاري فلينتبه الى ان السيد يستعد في وقت ليس ببعيد لاعلان "يوم مجيد آخر من ايام المقاومة"!

المصدر:
النهار

خبر عاجل