حتى لا ننسى··· تاريخ بيروت المجيد!
لم يكن من المتوقع أن يلجأ السيد حسن نصر الله إلى هذا القدر من التصعيد والتوتير في خطابه الأخير، ناكئاً جروح يوم 7 أيّار الأسود، ضارباً عرض الحائط كل الجهود والمحاولات الجارية على أكثر من صعيد لتأمين إجراء الانتخابات في أجواء سياسية وأمنية مريحة، تشجّع الناخبين على <الاقتراع بكثافة>!·
والرد على شعار انتخابي من نوع <لن ننسى··· والسما زرقا> الذي أطلقه تيار المستقبل، لا يستوجب رداً سياسياً عنيفاً يحمل هذا الكم من الاستفزاز والتحدّي لسيدة العواصم بيروت، وأهلها الحاضنين، منذ ما قبل الاستقلال للحركات الوطنية والقومية، والسبّاقين دائماً في دعم كل مقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، سواء أكانت هذه المقاومة فلسطينية أم لبنانية··· أم إسلامية·
وحتى لا ننسى··· لا بد من التذكير بأن أوّل شهيد لبناني سقط في صفوف حركة فتح عام 1969 كان ابن بيروت عز الدين الجمل، وأن الرصاصة الأولى في مقاومة الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 أطلقها المناضل البيروتي خالد علوان على ضباط الاحتلال في وسط شارع الحمرا·
ومواقف بيروت وأهلها في دعم المقاومة وتكريم المقاومين الأشاوس مشهودة، ولا تحتاج إلى إثبات أو دليل!·
* * *
ولكن يبدو أن حمى التنافسات الانتخابية قد فعلت فعلها في تغيير مفاهيم المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بعدما تمّ تحويل وجهة السلاح من الحدود مع العدو إلى الداخل مع الأخ والصديق، والجار والشريك في الوطن وفي المصير·
فأصبح يوم استباحة بيروت، والاستقواء على أهلها الآمنين بقوة السلاح <يوماً مجيداً في تاريخ المقاومة> كما قال السيد حسن نصر الله، أين منه ذلك اليوم الأغر الذي دحرت فيه المقاومة الاحتلال عن تراب الوطن!·
من قال ان يوم القتال بين الأخوة، بين الجار وجاره، هو من <الأيام المجيدة> حسب الأعراف الوطنية، ووفق المقاييس التاريخية؟·
متى كانت أيام الفتن والحروب الأهلية تُحسب من <الأيام المجيدة> في تاريخ الأمم والأوطان؟·
وهل أصبح الاحتكام إلى السلاح، واعتماد منطق القوة لفرض المواقف السياسية وقلب المعادلات الوطنية، موضع تفاخر وتطاول على أبناء الوطن الواحد والمصير الواحد؟·
* * *
يُدرك الأخوة في حزب الله أن أبناء بيروت ليسوا من أهل الشتائم، ولا من أصحاب الضغائن، ولا هم من هواة إشعال الفتن ولا محترفي افتعال المعارك·
لقد أكدت بيروت وأهلها، طوال فترة الحروب العبثية، إنها الحصن الأول للوحدة الوطنية، إنها القاعدة الأصلب للوحدة الإسلامية، إنها الحضن الأكبر لأبناء الوطن الباحثين عن لقمة عيشهم، الساعين لتعليم أولادهم، والحريصين على طبابة عائلاتهم·
لقد رفضت بيروت، رغم كل المغريات، الانزلاق إلى لعبة الميليشيات، لأنها نبذت منذ البداية لغة السلاح في الحوار بين أبناء الوطن الواحد·
قاومت بيروت مشاريع التشرذم والتفتيت، وتصدّت ببسالة لإدارات الدويلات والكانتونات التي حاولت مصادرة دور الدولة، ودافعت عن السلطة الشرعية ومؤسساتها الدستورية في مرحلة كانت فيها صراعات الميليشيات تحرق الأخضر واليابس في أرض الوطن·
وتنتصر بيروت اليوم لخيار الدولة القوية والعادلة، والملاذ الآمن لكل اللبنانيين، وهي قادرة على التصدي للمخططات الطامحة لإقامة الدويلات على أنقاض الدولة·
انه تاريخ بيروت المجيد والصامد أمام أساليب التهديد وقرقعة السلاح!·
* * *
لا نريد أن نُجاري من يضع كلام السيد حسن نصر?الله التصعيدي، وما تضمنه من عنف كلامي يتجاوز الحدود المقبولة في هذه الفترة الحرجة، في إطار الصراعات الإقليمية – الدولية، وانعكاساتها المتوقعة سلبياً على الدور الإيراني في المنطقة· ويستشهد أصحاب هذا الرأي بالهجوم غير المبرر الذي شنّه الإمام الخامنئي على السلفية والوهابية، فضلاً عن الحضور اللافت للسفير الإيراني في لبنان لمهرجان تمّ ترتيبه على عجل لإضفاء الطابع الشعبي على خطاب أمين عام حزب الله·
ولسنا في وارد السجال مع مضمون الخطاب الناري، ولكن نكتفي بالقول إن الكلام بتمجيد يوم 7 أيّار لأنه أنتج الرئيس التوافقي، وأتاح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وساعد على إعادة التهدئة والاستقرار النسبي إلى البلد، ان هذا الكلام ليس دقيقاً، حسب التعبير الشهير للرئيس الشهيد رفيق الحريري، لأن الوقائع والأحداث تؤكد بأن الأكثرية طرحت العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً في كانون الأوّل من عام 2007، بعد أقل من شهر على خلوّ سدّة رئاسة الجمهورية، وقبل خمسة أشهر من اليوم المشؤوم·
أما تشكيل حكومة الوحدة الوطنية فكان اقتراحاً مطروحاً من قبل الأكثرية أيضاً، ولكن طبعاً بدون الثلث المعطل، ولكن سياسة المعاندة، وصخب الاعتصامات، وسخونة الاحتكاكات في الشارع، عطّلت كل فرص الحوار الداخلي للخروج من الأزمة قبل انزلاقها إلى مأزق يوم السابع من أيار·
* * *
وحتى لا ننسى··· لا بدّ من التذكير أيضاً بأن قَـدَر اللبنانيين أن يعيشوا معاً في هذا البلد، من دون أن يستطيع أي فريق منهم أن يستفرد وحده بالسلطة والقرار، ومن دون أن تقدر أي طائفة منهم أن تلغي الطوائف الأخرى، أو أن تستعلي عليها·
ولقد أثبتت التجارب المُـرّة والمريرة أن استخدام السلاح لا يحل مشكلة في لبنان، بل يزيد المشاكل تعقيداً، وأن محاولات فرض المواقف على الآخرين، واللجوء إلى أساليب التهديد والوعيد يُنمّي مشاعر النفور والفرقة، ويضاعف مسافات التباعد بين من يُفترض أن يكونوا في صف واحد، وفي خندق واحد!·
أما إذا كان ثمة من يعتقد بقدرته على حسم الخلافات السياسية بقوة السلاح، وعلى قاعدة غالب ومغلوب، ورابح وخاسر، فهذا تفكير خطير على أصحابه أولاً··· وعلى البلد ووحدته ثانياً وثالثاً ورابعاً، لأن استخدام منطق القوة مع الشركاء في الوطن يتناقض مع أبسط مفاهيم العيش المشترك، ومبادئ الوحدة الوطنية!·