#adsense

“توافقية”… بالهراوة الغليظة !

حجم الخط

"توافقية"… بالهراوة الغليظة !

لا تجيز المعايير الديموقراطية الحقيقية والمبدئية في أي وجه الجزم مسبقاً بأي جانب من جوانب النتائج الافتراضية قبل يوم الانتخاب، ومع ذلك في لبنان وحده صارت النتائج محسومة بنسبة تتجاوز الـ80 في المئة في عدد كبير من الدوائر على ارض الواقع الذي يعرفه الجميع في الداخل والخارج، ولم يبق للمعركة الفعلية سوى عدد محدود من الدوائر.

وسط هذه المعايير الهجينة والشديدة التناقض، في مشهد هو اقرب الى تحويل الانتخابات "واقعة حربية" من العصور الوسطى، تغدو الدوائر المختارة للمبارزة الحاسمة بمثابة الميدان الذي تتراصف على جانبيه جحافل المعسكرين الكبيرين بالوكالة والاصالة عن سائر الانحاء اللبنانية. ولذلك فقط جاء الخطاب الملتهب الاخير للسيد حسن نصرالله وموجة الالتهاب الاعم التي اشعلها بفوائد ثمينة للغاية على مستوى اعادة رسم الحقائق السياسية المطلة على هذه "الواقعة الحربية" لا الانتخابية فقط.

فمن دون اي اجتهاد او تفسير او توغل الى افتراضات تتجاوز الخطاب وردود الفعل عليه، تكفي الوقائع المباشرة والمبسطة في ذاتها لتظهير كل المعالم الحقيقية لواقع لبنان قبل ثلاثة اسابيع من موعد الانتخابات.

الخطاب اثبت المثبَّت اصلا والذي لا يحتاج الى مزيد، وهو ان السيد نصرالله حين يتمكن من اطلاق عاصفة صوتية مدوية كهذه لا يبقي اي مجال امام الداخل والخارج الا لاعتباره "الحاكم المطلق" للمعارضة كما "الحاكم المطلق" المفترض لسلطة المعارضة إن هي فازت في الانتخابات.

هذه الخلاصة لا تصنعها الدعاية المعادية او المخاصمة لـ"حزب الله" وحلفائه، والتي ستفيد من دون شك الى اقصى درجات الافادة من العاصفة الاخيرة للتخويف من حكم "دولة حزب الله"، فهذا العامل هو من باب تحصيل الحاصل بعاصفة او من دونها. لكن مضمون الخطاب الاخير ونبرته وفرتا المادة الفضلى والاثبات الملموس لكل من كان يشوبه شك بعد في ان "تلاوين" المعارضة قادرة على كسر الطابع الاحادي لتركيبتها، لأن "حزب الله" وسيده هما صلب المعارضة ومحركها ورأس حربتها ومشروعها وحتى اسلوبها ونمطها بلا منازع.

الامر الآخر هو ان تلويح السيد نصرالله بـ"توازن الرعب" تكراراً عبر "تمجيد" يوم 7 ايار، على سلبيته الصارخة شكلا، يعكس ضمنا تعبيرا عن مصلحة الحزب وطائفته كما مصلحة خصومه في تجنب الانزلاق تكرارا الى هذا المقتل المذهبي. ولكن المحظور الكبير الذي كشفه الخطاب وردود الفعل عليه يتمثل في التصعيد المخيف للاحتقان، ليس من باب انتخابي كلاسيكي صرف اذ ان لبنان معتاد هذا النمط من الحوربة في كل انتخاباته، وانما من باب تزامن "ذكريات ايار" ومحطات الذكرى المتعاقبة فيها "قوميا" و"داخليا" و"مذهبيا" سواء بسواء مع اقتراب العد التنازلي لموعد الانتخابات.

وعلى افتراض ان شعاراً من هنا اشعل شعاراً من هناك وسط موسم الذكريات المتداخلة لدى كل فريق، وهي كلها ترقى الى مستوى شهادات وشهداء يصعب مسها من دون ان تترك التهابات جسيمة، فان الامر يصبح اشد تعقيدا وقسوة مع طرح "التوافق والمشاركة" على قاعدة التسليم بشروط مسبقة كأنها تجاوز لكل حوار ولكل تسوية او كأنها "دفتر إملاء" على الآخر. بذلك بدت نبرة السيد نصرالله في حديثه عن "التوافقية" اشبه بوضع الهراوة الغليظة على الطاولة في معرض "عزيمة" الفريق الآخر الى وليمة المشاركة والتوافق. وعند هذا الاطار الشكلي والضمني وحده لم يبق هناك من مجال للتساؤل لحظة عن سر العاصفة المتفجرة والمتسعة عقب هذا الخطاب، حتى في معزل عن كل حسابات انتخابية مباشرة، فالمسألة باتت محصورة في مكان واحد لا يجدي معه اي تمويه او تجميل او مشاطرة، وهو التساؤل عن حقيقة العوامل الدخلية والخارجية في تفجير هذه العاصفة، وما اذا كان تفجيرها اطلق النفير والاشارة الحمراء لتحسين شروط المواجهة مع مخاطرة ضخمة في اقحام مشهد اقليمي في المعترك الانتخابي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل