البدايات السلمية المطمئنة تبدّدت تحت وطأة الخطاب التصعيدي
الأمن وتقييد الرئيس أكثر ما يقلق عشية الانتخابات
ما بدا لغالبية المراقبين اطمئنانا الى توجه سلمي وسلس في الاتجاه نحو الانتخابات النيابية في 7 حزيران منذ بضعة اسابيع بعد فترة قلق من وضع امني يمكن ان يعطّلها، نقضه على نحو مفاجئ كلام الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله الذي اثار مخاوف من اثارة حساسيات مذهبية مجددا تنعكس على الارض. وكانت الساعات التي تلت الخطاب وردود الفعل عليه محط تتبع وانتظار لرصد الانعكاسات المترتبة على هذا التصعيد مع عودة المخاوف من امكان تعكير الوضع الامني عشية الانتخابات ومحاولة التأثير في اتجاهاته ونتائجه.
وتلاحظ مصادر مراقبة انه على رغم توقعها اشتداد الجدل الانتخابي واستحضاره مختلف المواضيع لخوض المعارك الانتخابية، فان كلا من الامين العام لـ"حزب الله" وزعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون رفعا وتيرة التصعيد السياسي خطابا ومضموناً، أكثر بكثير مما يعتمده حلفاؤهما، وفي مقدمهم الرئيس نبيه بري. فالاثنان يتناغمان في ايصال رسالة واحدة على ما يظهر من خلال الايحاء أن الوضع الداخلي سيبقى مضطربا ومعرضا للاهتزاز حتى يستتب لهما القرار في البلاد. وهذا التخويف لا بد من ان يؤدي غرضه الى حد بعيد نظراً الى توق اللبنانيين الى مستقبلهم ومستقبل اولادهم والانتهاء من الاضطرابات، وتاليا اتاحة الفرصة امامهما لنيل الاكثرية النيابية والحكومية، علّ ذلك يضع حداً للاستقرار الهش السائد راهنا.
والواقع ان عودة الامين العام للحزب الى الماضي من اجل النيل من خصومه، لا بل خصوم حليفه ايضا العماد عون، يعزى الى عدم امتلاكه ما ينال من خصومه راهناً، اذ لا قضية له فعلا في المرحلة الراهنة. فـ7 ايار كما يقول هي نتيجة ما اتهم به الاكثرية بأنها سعت الى ضرب الحزب يومها عبر شبكة اتصالاته. وهذا المنطق، اكان صحيحا ام لا، لا تتوافر له عناصر داعمة راهنة من اجل تبرير الحض على الانتخاب ونيل قوى 8 آذار الاكثرية النيابية المقبلة. فغياب القضية الخارجية، أي التحرير من الاحتلال ومساعدة الفلسطينيين، يدفعه الى الانتقال الى الداخل بقوة. اذ ان المقاومة كمقاومة للاحتلال لم تعد تجد مبرراتها العملية للاستمرار في ظل وجود القرار 1701 وفي ظل نتائج حرب تموز 2006، التي وان ادت الى انتصار "حزب الله" على اسرائيل فان النتائج الكارثية على لبنان ليست نزهة بحيث يمكن القيام بالحرب وجرّ الناس اليها كل ساعة فضلا عن ان مزارع شبعا المحتلة ترفض سوريا كما اسرائيل بالتكافل والتضامن الاقرار بها للبنان.
وهناك عامل رابع يتصل بان الفلسطينيين انفسهم، اي حركة "حماس" اعتمدت التهدئة مع اسرائيل ولاحقت حتى مطلقي الصواريخ عليها. والسيد نصر الله الذي يهاجم مع مرشحيه من الحزب الاكثرية على اساس ما يسميه هؤلاء او يتهمون به قوى 14 آذار بأنهم ملحقون بالمشروع الصهيوني لا يملك أي ممسك يدعم ما يذهبون اليه. اذ ان الاكثرية، بأركانها، من النائب سعد الحريري الى النائب وليد جنبلاط وكل الآخرين لا يسعون الى النيل من سلاح الحزب، بل يصرّون على مناقشة مصير هذا السلاح على طاولة الحوار. وسبق ان بشّروا بهذا المبدأ في الولايات المتحدة الاميركية وسواها من الدول. ولا الاكثرية الحالية ايضا ذاهبة او ذهبت الى بيع الحزب في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل حضت لبنان عليها اكثر من دولة صديقة، حتى ان الرئيس السوري بشار الاسد قالها في إحدى المرات، كما لوح للولايات المتحدة بقدرته على المجيء بالحزب كما بحركة "حماس" الى المفاوضات مع اسرائيل، في حين ان لبنان رفض كل هذه العروض. وفي أي حال، فان احتمال تسلم " حزب الله" الاكثرية سيريح سوريا غير المرتاحة الى الاقتراحات الاميركية بتسيير المسارات الثلاثة السورية والفلسطينية واللبنانية معاً، لان لبنان ليس ورقة في يدها كما في ايام المفاوضات في التسعينات وما بعدها، في حين ان فوز المعارضة سيمكنها من جعل لبنان ورقة مجدداً في يدها وسوريا هي التي ستتوسط لاقناع الحزب. لكن حتى في الخطاب التخويني، ثمة تناقض في الدعوة الى حكومة وفاق وطني واستمرار اتهام من يكمل هذا الوفاق الوطني بالالتحاق بالمشروع الصهيوني، ما لم تكن الدعوة الى حكومة وفاق في ظل مثل هذه الاتهامات هي الدافع الآخر لرفض الآخرين لها واتهامهم بالعرقلة.
هناك أهداف اخرى مرجحة في هذا الخطاب التصعيدي بحسب هؤلاء المراقبين، تتصل بالرغبة في تقييد رئيس الجمهورية بحيث يكون في حال فوز قوى 8 آذار بالاكثرية بين سندان هذه الاكثرية النيابية والحكومية من جهة ومطرقة سوريا من جهة اخرى، بذريعة ان الغالبية المسيحية على نحو خاص هي في يد العماد ميشال عون الذي لفت البعض انه انتقد في خطابه في ميروبا قبل يومين ما اعتبره "سرقة" في بعض الدوائر، ولم يعتبر اللائحة التي يدعمها الرئيس بري في جزين سرقة او المرشح القومي في مرجعيون سرقة، علما انه اجبر على نقل ترشيح اللواء عصام ابو جمرا الى الاشرفية. وغالبية المراقبين الاجانب يبدون قلقا وانزعاجا من التهديدات العلنية والضمنية لموقع رئيس الجمهورية، ويأخذون في الاعتبار كل ما يقال في هذا الشأن على رغم استبعادهم وجود القدرة او الغطاء لتنفيذ هذه التهديدات اي الطعن بولايته على ما يروج، فضلا عن اكتساب ذلك درجة عالية من الخطورة في حال وجد هذا الغطاء الذي لن تجرؤ سوريا على تأمينه وفق ما يعتقد. لكنهم منزعجون من محاولة اضعاف رئيس الجمهورية على عتبة السنة الثانية من ولايته، باعتبار انها السنة الاهم لاثبات مقدرته على انجاز بعض الامور بعد محاولته تأمين الاستقرار في السنة الاولى. وهناك من يحاول تعجيزه وتعطيله لكي ينهار عهده على نحو مسبق ويثبت عدم جدواه، تماما كما تنتقد الاكثرية لعدم انجازها الكثير في الاعوام الاربعة الماضية في حين طغى التعطيل من قوى 8 آذار على اكثر من سنتين ونصف سنة من هذه الولاية النيابية. ولذلك فان التعرض لرئيس الجمهورية هو اكثر ما يربك هؤلاء المراقبين أو يزعجهم، اسوة بالقلق من عدم الاستقرار الامني عشية الانتخابات وما بعدها ايضا.