#adsense

ملاحظات هادئة برسم السيد حسن نصرالله

حجم الخط

ملاحظات هادئة برسم السيد حسن نصرالله
المحامي جورج ابو صعب

في ضوء الكلام التصعيدي الاخير الذي اطلقه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه المتشنج في مجمع سيد الشهداء في الضاحية منذ ايام قليلة وما اتصف به من نبرة تحدي وتهديد ووعيد واثارة للنعرات الطائفية والمذهبية واطلاق الاتهامات يمينا ويسارا – وبعد القراءة المتأنية لمضمون الخطاب والاستماع الى مختلف ردود الفعل المؤيدة والشاجبة – نرى انه علينا التوجه الى السيد حسن ببعض الملاحظات التي ربما غابت عن باله أثناء فورة غضبه .

اولاً: على السيد ان يتنبه الى انه لا يتوجه بكلامه التصعيدي الى ذباب او حشرات عابرة بل الى شعب بمقومات وجوده كافة وترسخه في ارضه وتاريخه، ونعني بهذا الشعب جمهور "14 اذار" – او الموالاة – وتحديدا الطائفة السنية الكريمة التي كانت أكثر من سواها ربما مستهدفة باحداث 7 ايار المشؤومة – وبالتالي وانا استمع واقرأ كلام السيد والتحدي الذي يطلقه – اذا بي اشعر للحظات بنوع من الاستغراب من ان يكون مثل هذا الكلام بحق بيروت والبيروتيين صادر من مسؤول قاد اشرس المواجهات السياسية في الداخل تحت شعار المشاركة مع هؤلاء الذين ينعتهم اليوم في خطابه بابشع النعوت والاوصاف – فكأن السيد حسن اصيب في تلك اللحظة بانفصام في الشخصية الذاتية والسياسية مطلقا العنان لمواقف غرائزية لا تليق برجل عمامة وفقيه وموجه روحي لجماعة كبيرة من اللبنانيين يعتبر نفسه من اصحاب المنطق والعلم والتوازن والرصانة الوطنية.

فالسيد في ذلك اليوم لم يكن يتكلم عن لبنانيين على ما نعتقد بل عن اي شعب اخر غير اللبنانيين في بيروت والجبل – لانه لو قصد فعلا الكلام بمثل هذا المستوى السلبي عن لبنانيين، يكون فعلا اول من يجب اتهامه باثارة النعرات الطائفية وتقسيم البلاد وتغليب العصبيات، فهل هذا برنامج حزب الله الانتخابي ؟

ثانيا: يصف السيد حسن احداث 7 ايار 2008 باليوم المجيد، والسؤال يطرح: المجيد لمن؟ وكيف؟ ولماذا؟
فاذا كان هذا اليوم مجيدا لانه غلّب منطق العنف على منطق الحوار بين اللبنانيين، ففي هذه الحالة سقطت مقولة حزب الله إن الحوار والشراكة هما مفتاح انقاذ البلاد من ازمتها.

واذا كان هذا اليوم مجيدا لانه غلب (ولو في الشكل ) مذهب على اخر او فئة على أخرى بقوة السلاح والترهيب والترغيب، فيكون "حزب الله" تحول الى حزب تقسيمي اين منه الاحزاب والتيارات والمشاريع التي يعتبرها تقسيمية ومشبوهة في خطابه نفسه عندما اشار الى الفدرالية – وهو – اي السيد حسن – اول من سلك في كلامه المنطق التقسيمي – فيكون التناقض واضح في كلامه.

واذا كان يوما مجيدا لانه سبب الخراب والدمار للعاصمة العربية الوحيدة التي صمدت في وجه اعتى الات الحرب والتكنولوجيا الحربية الاسرائيلية المتطورة فيكون السيد حسن – لا سمح الله عميلا لاسرائيل – يكمل هو ما عجزت عن صنعه هي في عز جباروتها.

واذا كان يوما مجيدا لان منطق حماية امن المقاومة تغلب على منطق السيادة للدولة والمؤسسات الشرعية – فان مثل هذا المنطق يبشرنا بما يمكن ان تصبح عليه الدولة ومؤسساتها من مكونات رديفة لدولة المقاومة في حال فازت قوى "8 اذار" في الانتخابات المقبلة.
فاليوم المجيد لا يمكن ان يخلق احقاد وضغائن بين اللبنانيين.

واليوم المجيد لا يمكن الا وان يكون يوما للبنان كل لبنان لا يوم انقسم فيه اللبنانيون بين مؤيد ومعارض للغزوة على بيروت والجبل.

واليوم المجيد لا يمكن ان يكون قهرا او ظلما او تسلطا بالقوة لان كلام القوة ومنطق القوة لا يصنعان وحدة وطنية ولا انصهارا كما يدعي السيد حسن في الخطاب نفسه.

واليوم المجيد لا يمكن ان يكون يوما فئويا بل يوما جامعا كل اللبنانيين.

فالسير في هذا المنطق قد يحمل الاخرين على اعتبار ايام مجيدة كثيرة اياما استهدفت بها المقاومة وحزب الله واياما لا يعود من وجود لمقاومة تحولت الى ميلشليا مسلحة تفرض على اللبنانيين رؤيتها ونظرتها وقرارها وسياستها بقوة السلاح، فتعتمد منطق العصا والجزرة ولكن مع من؟ ولمن ؟

ثالثا: يصل السيد نصرالله الى حد الاقرار للشريك اللبناني الاخر بانه مستعد ليبني دولته هو على حساب الهوية اللبنانية الجامعة: فالكلام هذا ان دل على شيء فعلى هذا الشعور الانفصالي الذي بات يتحكم بقوى "8 اذار" – الانفصال عن نصف لبنان الاخر واستسهال اطلاق الاتهامات والتهديدات ضد القسم الاخر من لبنان وكأن "حزب الله" وقوى "8 اذار" وحيدون في لبنان والاخرين حواشي او مواشي.

فالسيد حسن يتكلم الى الشريك الاخر بلغة: "ان قبلت فاهلا وسهلا وان لم تقبل فانا مستمر وانا قادر على حكم البلاد وادارتها بمفردي"، فهل بلغ تناقض الفكر السياسي في "حزب الله" وقوى "8 اذار" الى حد اعتماد ما اتهموا به حكومة الرئيس السنيورة السابقة وقوى "14 اذار" من استئثار بالسلطة وتحكم دكتاتوري بالحكم وهم لم يصلوا بعد الى الحكم الاكثري؟

ويعتز بما يقال للسيد من انه يريد بناء امبراطورية في المنطقة: ولما لا- كما يقول لا يكون لبنان جزءا من هذه الامبراطورية: فمساحة لبنان صغيرة امام قدرات حزب الله – وهنا ايضا يبلغ الاستكبار والتعالي على لبنان زروته – وكأنه يود القول إن "حزب الله" لوحده قادر على السيطرة على لبنان كله وتطويعه.

رابعا: يرفض السيد حسن التقسيم ويتهم الاخرين به – ولكن السيد حسن ينسى ان "حزب الله" – وتحت شعار المقاومة وامن المقاومة – أنشأ في الضاحية الجنوبية من بيروت وفي البقاع والجنوب دويلة شيعية الطابع مذهبية العقيدة وعسكرية الهوية يمنع على السلطات الشرعية اللبنانية دخولها او تطبيق القانون اللبناني فيها ويحرم على الدولة بسط سلطتها وسيادتها فيها.

ويقول السيد حسن: "ان القوة بلا عدل خراب وديكتاتورية ومدعاة ظلم"، فكم كنا تمنينا على السيد حسن ان يتوقف قليلا عند هذه الجملة وهو يطلب ويتمنى ان لا ينسى اللبنانيون 7 ايار، مهددا اياهم بتكرارها ان دعت الضرورة – فالقوة والتهديد بالسلاح من فريق لبناني ضد فريق لبناني اخر اكبر جريمة، فكيف اذا كان التهديد يأتي من مالك القوة وبلا عدل ولا انصاف لابناء بيروت والجبل الذين وقفوا الى جانب المقاومة يوم كانت المقاومة تقاتل اسرائيل في الجنوب .

خامسا: يقول الامين العام لحزب الله انه يتطلع الى لبنان وطنا عربي الانتماء لكن من دون عصبية لان العنصرية والعصبية جاهلية. فبالتمعن بهذا الكلام نلاحظ ان السيد حسن يغمز من قناة العرب المعتدلين ومن قناة قوى "14 اذار" التي تشدد على عروبة لبنان في وجه محاولة فارسية لاستقطاب المنطقة والسيطرة على مصيرها عبر حركة التشييع ونشر مبادىء ولاية الفقيه. فالسيد مع العروبة ولكن من دون عصبية وعنصرية، وهذه الرسالة هي التي سيحفظها كل ضمير مثقف وكل عربي اصيل بعروبته وكل لبناني مقر بانتماء وطنه الى الاسرة العربية والى العصب العربي – لان السيد حسن يفهمنا بطريقة ذكية ان العروبة لا يجب ان تتحول الى لكل ما هو فارسي او أعجمي – لانه يريد افهام الناس بانه لا يستطيع ان يتخلى عن تأييد ودعم وتبني ايران لوجود حزبه ومسيرته .

سادسا: يجدد السيد المطالبة بالغاء الطائفية السياسية، فـ"حزب الله" الحزب العقائدي الطائفي المذهبي بامتياز يطالب بالغاء الطائفية السياسية – السيد حسن ينسى ان من تولى ادارة مجلس النواب منذ ما بعد الطائف كان حليفه الرئيس نبيه بري – ابن مذهبه وطائفته – ولم يسأله عن سبب امتناعه طوال هذه الفترة والى اليوم عن تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية – فوثيقة الطائف حتمت على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية – الامر الذي لم يحصل حتى يومنا هذا من ولايات الرئيس بري المتكررة.

ثم الغاء الطائفية السياسية يتطلب من اللبنانيين – ان يبدأوا الاعتياد اولا على فكرة ازالة التموضع المذهبي والتشنجات المذهبية والمناطقية – فاين دور الحزب في ذلك وهو الذي يمعن في تعزيز وترسيخ ثقافة التشفي والتحدي والتهديد باستعمال السلاح بالداخل وتوجيهه الى صدور اللبنانيين؟ فكيف يمكن للحزب ان يطالب بالغاء الطائفية السياسية وهو الذي بنيت عقيدته الوجودية والدينية على مبدا ولاية الفقيه؟

سابعا: يقع السيد في تناقض أخر في كلامه عندما يشير في معرض حديثه المنتقد لوجود قوات الطوارىء الدولية في الجنوب. ويقول ما حرفيته :"… لدينا كلبنانيين من الكفاءات العسكرية والامنية ما يمكن لبنان من ان يكون له قوة جديرة …" فاذا كان السيد حسن يتكلم عن قوة المقاومة فقط – فبلا شك انه يكون قدم طرحا لا يستقيم مع مقررات المجتمع الدولي التي تجمع كلها على بسط سلطة الدولة الشرعية على كامل تراب الجنوب.

اما اذا كان يقصد السيد حسن الكفاءات الذاتية اللبنانية كقوى شرعية للدولة: فانه بذلك يعترف في مكان ما ما لا يعترف به في اخر. فاذا كانت للدولة الكفاءات الكافية لحماية نفسها، فلماذا لا يساهم "حزب الله" في تعزيز وتقوية هذه القدرات لتزيد قوة الدولة وتستطيع بالتالي بسط سلطتها على كامل التراب وحماية لبنان من اي خطر خارجي؟

ثامنا: ويبقى ان نشير برسم السيد حسن الى 3 حقائق نتمنى عليه أخذها بالاعتبار :
1- الحقيقة الاولى انه وطالما السيد حسن وفريق "8 اذار" ومن ضمنهم العماد عون يرفعون سقف الخطاب السياسي تصعيدا وتهديدا وارتفاع في النبرة الصوتية كلما ساعدوا قوى "14 اذار" وجمهورها على مزيد من اللحمة ويوقظون من لم يحسم امره بعد للانتخابات ليقرر التصويت الى جانب الفريق المناهض لـ"8 اذار" – فكلما شد السيد حسن وسواه من رموز "8 اذار" النبرة اشتد لدى "14 اذار" العصب.

2- الحقيقة الثانية: ان السيد حسن يعلم انه يتوجه الى 3 طوائف اساسية من طوائف لبنان في حديثه التصعيدي عن بيروت و7 ايار والجبل : الا وهي المسيحيين والسنة والدروز – وبالتالي فاما ان يكون كلام السيد في اطار المناورة والتكتيك السياسي واما ان يكون من باب اثارة النعرات والتهديد بحرب اهلية جديدة.

3- الحقيقة الثالثة: ان السيد حسن ومن خلاله "حزب الله" قرر تشنيج وتوتير الاجواء في البلاد عشية الانتخابات – ويبدو ان في ذلك دلالة كبيرة على الحرج الكبير الذي يشعر به العماد عون في مناطق الانتخابات المسيحية – ومناطق سائر الحلفاء في 8 اذار للحزب – ما دفع بالسيد حسن الى بدء مخطط مرحلي بالتصعيد والتوتير بغية شد العصب المعارض وتجميع القوى بعد استنفارها ربما … لتأخير او عرقلة او تأجيل الانتخابات النيابية المقبلة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل