#adsense

خلاف حول “الرئيس التوافقي”… وامتحان النيّات بعد الانتخابات

حجم الخط

أوساط بعبدا لا تردّ على الحملات وتذكّر بأصول التخاطب السياسي
خلاف حول "الرئيس التوافقي"… وامتحان النيّات بعد الانتخابات

الاثنين المقبل تكتمل السنة الأولى من عهد الرئيس ميشال سليمان الذي ينتهي في 25 أيار 2014. وفي السابع من حزيران، أي بعد اسبوعين ويومين، ينتخب اللبنانيون مجلس نواب جديداً تنتهي ولايته في 7 حزيران 2013 ويُنتخب بعدها مجلس آخر هو من سينتخب بعد 11 شهراً من تاريخه، الرئيس الجديد للجمهورية.

هناك إذاً خمس سنوات أمام الرئيس سليمان ومن ضمنها ولاية كاملة لمجلس النواب ونحو سنة من عمر آخر سيليه. وعليه فإن رئيس الجمهورية الذي انتخب في "سنة الانتخابات النيابية" إذا صح التعبير، والسنة الأولى تكون عادة فترة سماح لكل رئيس جديد، وها هي تختتم بأعنف هجوم عليه وباتهامات مباشرة وغير مسبوقة لم يكن أقلها "التدخل في الانتخابات لمصلحة بعض المرشحين". وقبل هذا الهجوم الذي شنه الوزير السابق سليمان فرنجيه، كان حليفه رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون قد افتتح الحملة المباشرة على الرئيس باتهامه بالضلوع في "مؤامرة" تستهدف النيل منه، وذلك من خلال الاتهامات التي ساقها ضده المرشح في دائرة كسروان الوزير السابق فارس بويز والذي كشف ان عون سأله رأيه في احتمال تقصير ولاية رئيس الجمهورية ومدى التزامه قرار تكتله النيابي. يومذاك عتب عون على رئيس الجمهورية لأنه لم يرد على بويز دفاعاً عنه!

وقد أحدث كلام بويز عاصفة سياسية بلغت حد الحديث عن "مؤامرة" تستهدف ولاية الرئيس على خلفية اقتراح سابق لعون قبل انتخاب رئيس الجمهورية يقضي بالتفاهم معه على فترة انتقالية لمدة سنتين يتم بعدها انتخاب رئيس جديد بعد الانتخابات. ويحكى ان الاقتراح أشار الى "حكومة انتقالية" وأن عون أثاره مجدداً في اجتماعات الدوحة التي اتفق خلالها على انتخاب "الرئيس التوافقي" واعترض على تحديد هذا الرئيس بالاسم، كما حصل في البيان الختامي لاجتماعات اطراف الأزمة اللبنانيين برعاية قطرية عقب حوادث السابع من ايار من العام الماضي. وما بين هجومي فرنجيه وعون على رئيس الجمهورية، برز كلام لافت لأحد نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" حسن فضل الله تضمن انتقاداً مباشراً له لطرحه التعيينات في مجلس الوزراء وفق صلاحياته، على التصويت، في خطوة اعتبرها فضل الله "ناقصة" وذلك في أول هجوم مباشر على رئيس الجمهورية من احد نواب "حزب الله".

وكل هذه المواقف المتتالية التي جاءت في توقيت واحد شكلت تراكماً بدا لكثيرين، وفي طليعتهم تحالف قوى 14 آذار، "مشروع" استهداف مباشر لرئيس الجمهورية سعياً وراء تقصير ولايته، إفساحاً في المجال أمام فرصة جديدة لأحد أركان المعارضة وقوى 8 اذار النائب ميشال عون للترشح للرئاسة.

وسواء صحت "نظرية المؤامرة" عند تحالف 8 آذار او 14 منه، فإن مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون كفيلة بتظهير النيات وحقيقة المواقف عند الطرفين، وذلك من خلال طريقة التعامل مع رئيس الجمهورية، وكلاهما يبدي حرصاً على موقع الرئاسة.
وسط هذه الاجواء، بدا رئيس الجمهورية كأنه زُج وأُقحم في مأزق حقيقي: كيف يكون الرئيس توافقياً؟ هل يعني ذلك وقوفه على الحياد في موقع المتفرج على خلافات 8 و14 آذار؟ وما هو دوره في حال تفاقم الخلاف والوصول الى طريق مسدودة؟ لمن تكون الكلمة الفصل لكسر الخلاف ومنع تعطيل عمل المؤسسات وفي طليعتها مجلس الوزراء؟

ليس سراً انه عندما طالب البعض رئيس الجمهورية بممارسة دور حاسم من موقع الحكَم وبـ"الضرب على الطاولة" عند الضرورة، كان جوابه ان كل طرف يفهم الحسم وقوفاً من الرئيس الى جانبه، في حين ان دوره التوافقي يملي عليه الوقوف الى جانب الحق والمصلحة الوطنية العليا. ولكن ما العمل وكل طرف يرى انه وحده على حق وان الآخرين على ضلال، ويفهم المصلحة الوطنية العليا على طريقته؟

لعل هذا المأزق يستوجب إضافة بند آخر الى طاولة الحوار الوطني المرشحة لتبدل بعض اعضائها بعد الانتخابات، وهذا البند لا بد أن يكون عنوانه: كيف يكون دور الرئيس التوافقي؟ وما هي حدود سلطاته في منع تفاقم الأزمات وعدم تعطيل المؤسسات ومصالح البلاد والعباد؟ وهل موقعه التوافقي يكبله ويمنعه من التدخل، كما يفهمه بعض السياسيين؟

وثمة سؤال آخر فرض نفسه في موسم الانتخابات: هل كلام رئيس الجمهورية على ضرورة قيام كتلة مستقلة من خارج الاصطفافات السياسية والحزبية يعتبر تدخلاً سافراً في الانتخابات؟
وهل المطلوب منه أن يرفض أي محاولة لقيام كتلة نيابية وإن بعدد رمزي لاعضائها، تدعم موقع الرئاسة وتساند مواقف الرئيس؟

وللمناسبة، فإن أوساط رئاسة الجمهورية تنفي بشكل قاطع ما أورده الوزير السابق سليمان فرنجيه حول موفد لرئيس الجمهورية زاره طالباً دعم مرشحين مستقلين في جبيل وكسروان والمتن يشكلون نواة هذه الكتلة، وتضع ما قاله فرنجيه في اطار مبادرة قام بها المدير العام للأمن العام اللواء وفيق جزيني ولم تكن بناء على تكليف منه، وقد كان على علم بها وابلغ صاحبها أن مبادرته لن تنجح لأسباب كثيرة.

ولا تردّ أوساط الرئاسة على الحملات التي تعرض لها رئيس الجمهورية في الآونة الأخيرة وتكتفي بالتساؤل عما اذا كان طابعها انتخابياً بحتاً وبهدف الضغط على الرئيس وقطع الطريق على اي محاولة لقيام كتلة مستقلة؟ وتؤكد أن الرئيس في السنة الأولى من عهده "لم يغلط" مع أحد وأن "أداءه كان سليماً وواضحاً ومتوازناً وتوافقياً بكل معنى الكلمة، وكما ينبغي أن يكون دور الرئاسة". وتذكّر ان "السنة الأولى من العهد لم تشهد حادث تفجير او اغتيال والحمد لله، وكذلك فإن لبنان بقي في منأى عن تداعيات العدوان الاسرائيلي على غزة". وتبدي هذه الأوساط أسفها للجو السائد على المستوى السياسي، لافتة الى ان الخلافات السياسية تاريخياً لم تصل يوماً الى ما نشهده هذه الأيام، وعلى مر العهود كان الخطاب السياسي، حتى في ذروة الخلافات، محافظاً على الحد الأدنى من أصول التخاطب. وتذكّر أن "ثمة قواعد وأخلاقيات في التعامل حتى في حال الخصومة السياسية وللخلاف أصول وحدود وضوابط"، وليس لأحد أن يوزع اتهامات وشهادات حسن سلوك على الآخرين، وفي الوقت نفسه يبدي حرصاً على موقع الرئاسة ويدعو الرئيس الى أن "يحكم ويقودنا جميعاً"!

مهما يكن من أمر، فإن مرحلة ما بعد الانتخابات، أياً تكن نتائجها، يفترض أن تكون مختلفة عما قبلها. وإذا كانت السنة الأولى للعهد هي سنة الانتخابات، فإن ما بعدها لا بد أن يشكل الإنطلاقة الحقيقية للعهد، مع التذكير بأهمية التوصل الى فهم مشترك بين الجميع لدور الرئيس التوافقي!

المصدر:
النهار

خبر عاجل