على الرحب والسعة
منذ وصول بنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة، والى يمينه أفيغدور ليبرمان، قالت العرب إن "حل الدولتين" قد أدخل فوراً غرفة العناية الفائقة.
إن لم يكن قد وُضع على الرف.
من غير تجاهل قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما، ورؤيته الجديدة لأميركا والعالم والعلاقات الدولية، وسياسته التي ترتكز على دعائم من الاعتدال باعتباره أساس الملك، وأساس الاستقرار، وأساس تفاهم الشعوب والدول والمصالح، وأساس الازدهار في أميركا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط قبل الشرق الأَقصى.
ولكن، لا نتنياهو إيهود أولمرت. ولا أوباما جورج دبليو بوش.
ولا أميركا بعد أفغانستان والعراق ودوامة الارهاب و"القاعدة" هي أميركا الجنرال دوايت ايزنهاور. ولا اسرائيل التي أكلت صفعة وقتلة من "حزب الله" جعلتها تنزل الى تاسع أرض هي اسرائيل حرب الخامس من حزيران.
ولا الشرق الاوسط بعد بروز نجم ايران وحكم الملالي هو نفسه ذلك الشرق الاوسط الذي كانت فيه العقائد القوميَّة تزغرد في ارجائه من المحيط الهادي الى الخليج الثائر.
اختلفت السياسات، والأساليب، والتحالفات، وتفرَّقت الأحزاب العلمانيَّة لتحل محلَّها الأحزاب والتنظيمات الدينيّة والمذهبيَّة، ولتصاب المجتمعات العربية بانتكاسة أعادتها من الصفوف الاولى في مسيرة التقدُّم والتطور الى الصفوف الخلفيَّة المغمورة بالكثير من الظلمة والانحجاب.
وليدخل لبنان، واجهة العرب ومنبر العروبة والجسر الحضاري المتألق بين الشرق والغرب، في دوامة الصراعات المتعددة الهدف والاسم والعنوان، والمترجحة بين طائفيَّة ومذهبيَّة واقليميَّة ودولية… وإن يكن لبوسها المفضَّل يحمل اسم المشاركة، أو المحاصصة، أو المثالثة بدلاً من المناصفة.
هذه المتغيرات وغيرها الكثير، والتي اختبر الرئيس أوباما عيٍّنة "أوليَّة" منها اثناء زيارة نتنياهو لواشنطن ولقائهما في البيت الأبيض، ستكون في انتظار الرئيس الأميركي لدى بدء زيارته الاولى للمنطقة في الثامن عشر من حزيران المقبل.
واذا كان قد كوَّن فكرة غير عابرة عن مقلع الصعوبات الذي ينتظره في منطقة البراكين والزلازل، فانه حتما سيفاجأ بالمزيد من المشكلات المستعصية، والمنبثقة بمجملها من المشكلة "الأم"، أو المشكلة التي أعيت المجتمع الدولي والشرعية الدولية عن تحقيق أيّ اختراق فعال فيها.
وهي، بالطبع والتأكيد، المشكلة الفلسطينية، ومشكلة الدولة، وخريطة الطريق، والمبادرة العربية، وقرارات الشرعية الدولية، والتي امتزجت امتزاجاً كاملاً مع كل الأزمات والخلافات التي يعج بها العالم.
وفي الطليعة تطل المشكلة الايرانية وامتداداتها لبنانياً وفلسطينياً وسوريّاً، ودخولها على خط القضية الفلسطينية من الباب الرئيسي عبر الانقسامات والانشقاقات بين "حماس" و"فتح"، مثلما عَبرت الى لبنان ووسعت مطرحها ونفوذها عَبر الانقسامات والانشقاقات بين "حزب الله" وحلفائه والدائرين في فلكه وقوى 14 آذار، وصولاً الى مصر التي وضعتها ايران في خانة أهدافها على ما يبدو.
واذا كانت زيارة نتنياهو عجزت حتى عن الاتفاق على الخطوط العريضة، فان باراك اوباما سيجد في انتظاره لدى وصوله الى المنطقة المزيد من التعقيدات والتعجيزات.
وتحديداً على خطي اسرائيل وايران، واختلاف الآراء والرؤى على كل شيء. فعلى الرحب والسعة.