#adsense

“الأجهزة”… بصورة محدثة !

حجم الخط

"الأجهزة"… بصورة محدثة !

تركت حقبة الوصاية السورية على لبنان بصمة ثقيلة قاتمة على صورة "الاجهزة" التي لم تعد سوى الرديف الملاصق للقمع بكل وجوهه ووسائله وانماطه الترهيبية. وكان يمكن السنوات الاربع التي تلت الانسحاب السوري من لبنان ان تعمم "ثقافة" جديدة تعيد الاعتبار بالكامل الى اجهزة تعمل وفق الاصول وبمظلة الشرعية الوطنية وضمن اطار القوانين وشرعة حقوق الانسان لولا انسحاب الصراع السياسي الداخلي على هذه الاجهزة ايضاً. لكن الواقع المحقق على الارض أبرز فارقاً جوهرياً ملموساً لم تعد معه صورة الاجهزة بالقتامة السابقة اقله من حيث زوال السمة القمعية عنها الى حد كبير، ولو ان الصراع السياسي ظلّ يتلاعب بهذه الصورة ويشوشها ويخضع الاجهزة نفسها لمفاعيل هذا الصراع.

تبعاً لذلك تكتسب مسألة كشف شبكات التجسس لمصلحة اسرائيل في الاشهر الاخيرة على ايدي هذه الاجهزة، امنية كانت ام عسكرية، صفة حدثية استثنائية ليس في واقع تطور "الدولة الدفاعية" ذات المخالب الطويلة الضرورية لمواجهة الاستهدافات الاسرائيلية للنسيج اللبناني الداخلي فحسب، بل في واقع اكساب الاجهزة وعبرها المفهوم الشرعي للعمل الامني والاستخباراتي منعة كبيرة سيكون لارتداداتها ومفاعيلها اثر عميق في تبديل صورة نمطية موروثة.

فواقع الحال الذي رافق هذا الملف منذ انطلاق خطواته والمتعاقبة يكشف نقطة بالغة الاهمية، هي ان انهيار "دومينو" الشبكات بهذه الوتيرة السريعة والمتعاقبة يسجل للمرة الاولى "سابقة" تشكيل اجماع سياسي حول الاجهزة، بصرف النظر تماماً عن الحسابات السياسية للقوى والافرقاء حتى في مسألة قومية من الدرجة الاولى. فمعلوم ان كل شأن في لبنان يثير حسابات ربح وخسارة، لكن الواقعة المرتبطة بالشبكات تجري حلقاتها تباعاً بعيداً من كل الصخب والسجالات والحماوة الداخلية، حتى لكأنها تبدو النقطة المحيّدة الوحيدة عن كل هذا الاحتدام.

وهناك مفارقة اخرى تبرز في هذا المسار الامني – العسكري – الاستخباراتي هي ان اي تشكيك او شكوك معتادة ومألوفة عند كل اجراء او خطوة للاجهزة لم تظهر اطلاقاً على ألسنة السياسيين، في اي معسكر من المعسكرات السياسية. بطبيعة الحال فإن ملف الشبكات العميلة والمتعاملة يشكل في ذاته رادعاً تلقائياً لاي اتجاهات تشكيكية من شأنها ان تخضع الملف لسجالات كلاسيكية. لكن الاهم من ذلك هو أداء الاجهزة نفسها التي تبدو، لاسباب لا بد من ان تتضح يوماً، كأنها بلغت سن النضج الاحترافي على نحو متقدم جداً، فتولت تسديد الضربة القاصمة للشبكات من دون اخطاء بدليل توافر كمّ كبير وقاطع من الادلة والاثباتات والقرائن على تورط الموقوفين والملاحقين، مما حصّن موجة التوقيفات باطار قانوني ثابت حال دون اي تشكيك في اداء الاجهزة المعنية سواء أكانت مخابرات الجيش او فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي.

مفاد هذه الوقائع ان الاجهزة باتت على مستوى من الاحتراف المهني والانضباط القانوني بما يجعلها تقدم في الداخل، كما امام الخارج، صورة متقدمة جداً عن دولة قادرة على وضع استراتيجيتها الدفاعية موضع التنفيذ بحد مرتفع جداً من الصدقية أمام اي مشكك، وحتى في اطار الالتباس الدائم الذي يثيره موضوع الاستراتيجية الدفاعية المطروح على طاولة الحوار الوطني. كما ان الوجه الآخر للصورة يبرز عبر اجهزة تلتزم معايير الامن القومي وامن المواطن وتحمي الحريات في آن واحد بعيداً من فبركة الملفات واقامة الغرف المعتمة لخدمة سلطة آحادية وقمع معارضيها او التنكيل بالنظام الحر والديموقراطي السليم.

وهو امر بالغ الاهمية في تزامنه وعشايا "ولادة ديموقراطية" مفترضة جديدة مع الانتخابات المقبلة. فأياً تكن غالبية 2009 واقليتها المقبلتان، يأتي ملف انهيار شبكات التجسس وفق هذا الاداء للاجهزة الامنية بمثابة ضمان افتراضي مسبق على ان "الدولة" هي دولة الجميع وحامية الجميع، أسوة بالدول "الطبيعية" على الاقل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل