لأنه أعاد لرئاسة الجمهورية "بريقها" بعد أن كانت "أسيرة" الوصاية
8 آذار يريد رئيس "كل اللبنانيين" خاتماً في أصبعه.. وإلا!
في وقت "يستشرس" فريق 8 آذار في هجومه على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وما يستبطنه ذلك من مخطّط لـ"تحييد" و"تهميش" موقع الرئاسة، ومن "نيات مبيتة" لتقويض سلطة الرئيس، وتقييد قراره، ووضع "فيتو" على حقه في ممارسة صلاحياته الدستورية، وصولاً الى المطالبة بـ"تقصير ولايته"، تعود الذاكرة باللبنانيين الى أيام مضت، كانت رئاسة الجمهورية فيها "أسيرة" الوصاية السورية، لا تأخذ قراراً إلا بموافقة "الوصي"، ولا تقدم على أي خطوة من دون "ضوء أخضر" منه، ما أدى الى إضعاف دورها، والانتقاص من "وزنها" و"ثقلها" في الحياة السياسية اللبنانية.
يعيد التاريخ نفسه اليوم مع جماعة "شكراً سوريا"، بعد مرور سنة على انتخاب العماد ميشال سليمان توافقياً رئيساً للبنان، تطبيقاً لـ"تسوية الدوحة"، التى وضعت حداً لإقتتال داخلي، فرضته ميليشيات الامر الواقع في 7 أيار 2008، الذي أعلنه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله "يوماً مجيداً".
ففريق 8 آذار يصرح بدعمه لرئيس الجمهورية، وحرصه على صلاحياته، إلا أن الوقائع السياسية تثبت أنه يمعن في وضع العصي في دواليب مسيرة العهد ، ويسعى الى "وضع اليد" على رئاسة الجمهورية، و يخرق "تهدئة" أقرتها "تسوية الدوحة"، وطالبت بها طاولة الحوار الوطني، ولا يريد للحياة السياسة والدستورية في لبنان أن تنتظم، ويثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن لا مانع لديه من "الانقلاب" على الدستور والمواثيق والاتفاقات لتحقيق مصالحه ليس إلا، من دون أن يكترث لمصلحة لبنان، الذي لا تربطه به على ما يبدو، سوى تحقيق مصالح إقليمية، تصب في خدمة مشاريع غريبة عن لبنان وهويته العربية.
تصويب مستمر لغايات انتخابية
مناسبة الحديث أن "حرارة" المعركة الانتخابية في المناطق المسيحية، وبروز الحديث عن "كتلة وسطية" داعمة للرئيس، تمثل بطبيعة الحال مزاجاً شعبياً مسيحياً ليس "منخرطاً" في سياسة الاصطفاف القائمة بين 8 آذار و14 آذار، جعلا رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون يفقد أعصابه تدريجياً، وينكر على "المسيحيين المستقلين" ممارسة حقهم الدستوري ترشحاً وانتخاباً وتأييداً لعهد جديد، تعلق عليه الامال في استعادة هيبة ووقار ودور موقع رئاسة الجمهورية، خصوصاً أن المرشحين المستقلين، أعلنوا مساندتهم لرئيس الجمهورية، وتضمنت برامجهم ومواقفهم توجهات تدين بالولاء للرئاسة، علماً أنهم يملكون حظوظاً كبيرة في الفوز، والتفوق على "التيار العوني" في دوائر التنافس، المتن الشمالي وبعبدا وجبيل وكسروان والاشرفية.
.. واتهام بـ"الخداع"
اليوم، تبادر رموز 8 آذار بالتناوب الى "التصويب" على رئيس الجمهورية، على خلفية طرح سليمان موضوع التعيينات الإدارية على التصويت في جلسة مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، و"اصطدامه" بتسلح وزراء المعارضة بـ"الثلث المعطل"، وفي ظل نيته إعادة طرح التعيينات مجدداً في جلسة مقبلة لمجلس الوزراء، وهو ما سبب انتقاداً لاذعاً من "حزب الله" الى رئيس الجمهورية، وصل حد اتهامه بـ"الخداع"، قبل أن يطل الوزير السابق سليمان فرنجية، متهماً إياه بالتدخل في الانتخابات.
ولكن حقيقة الامر أن 8 آذار، وتحديداً "حزب الله" منزعج من مواقف رئيس الجمهورية حيال اتفاق الطائف، وتمسكه بضرورة "الرضوخ" لمبدأ التنافس الديموقراطي والقبول بنتائج الانتخابات مهما كانت، في وقت يسعى هذا الفريق الى الالتفاف على النتائج، عبر تمسكه بـ"بدعة" الثلث المعطل، في أي حكومة ستشكل بعد الانتخابات.
.. وعرقلة
وسط هذا الهجوم القديم الجديد، لا بد من التذكير بأن الرئيس سليمان لم يسلم طوال السنة الماضية من سهام 8 آذار، في سعيه لأن يكون "ضابط إيقاع" للقضايا الخلافية، وما أكثرها، بذريعة أنه "رئيس توافقي"، وليس مسموحاً من وجهة نظر 8 آذار، وكما يروج إعلامه، أن يمارس رئيس الجمهورية دوراً سياسياً، يمكنه من ممارسة "الوسطية" الحريصة على التوازنات، وممارسة "الحيادية" اللبنانية والعربية والدولية، والبقاء على مسافة واحدة من الجميع.
بدأ فريق 8 آذار يكشف عن وجهه الحقيقي تجاه الرئيس سليمان، منذ أن شن هجوماً مفاجئاً على الرئيس في مظاهرة "حزب الله" أمام السفارة الأميركية في عوكر، وصلت حد توجيه الشتائم الى شخص الرئيس والانتقاض من هيبته، على خلفية موقفه "الحيادي" الرافض لانخراط لبنان في سياسة المحاور، بعد دعوة دولة قطر الى قمة عربية طارئة للتباحث بشأن العدوان الاسرائيلي على غزة، تلك القمة التي تغيبت عنها دول عربية.
قبل ذلك، كان فريق 8 آذار "يفخخ" طاولة الحوار الوطني التي دعا اليها رئيس الجمهورية للتوصل الى استراتيجية دفاعية تحمي لبنان من التهديدات الاسرائيلية المتواصلة، للابقاء على سلاح "حزب الله" ورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية، في ظل "تنصل" هذا الفريق من أي التزامات، وقيامه بإفراغ جلسات الحوار الوطني من مضمونها، عبر تحويل الانظار الى قضايا تعتبر ثانوية أمام مسألة السلاح، الذي تحول سلاحاً تقسيمياً، إذ لم نقل سلاح "فتنة"، ولعل أحداث أيار من العام 2008، أبرز مثال على ذلك.
البطريرك و14 آذار خط الدفاع الأول
في المقابل، تقف القوى الاستقلالية في 14 آذار سداً منيعاً أمام محاولات "تطويع" قرار رئاسة الجمهورية، مستظلة بـ"دعم" البطريرك الماروني نصرالله صفير المطلق للرئيس، ليس لصفته الشخصية، إنما انطلاقاً من حرصه على موقع الرئاسة الاولى، وشعوره بـ"خطر" يهدد هذا الموقع، في ما يطرحه 8 آذار عن الجمهورية الثالثة، والمثالثة، وقد عبر عن ذلك صراحة، بسؤاله "هل كل سنة يجب أن نغيّر الرئيس؟"، منتقداً بذلك "مزاجية" فريق 8 آذار.
وتثبت الوقائع أن قوى 14 آذار لم توفر موقفاً أو وسيلة طوال السنة الماضية، إلا وطوعتهما لـ"تقوية" موقف الرئيس "التوافقي"، الذي بادرت الى تبني ترشيحه لرئاسة الجمهورية "إنقاذاً للجمهورية"، على حساب مرشحيها نسيب لحود وبطرس حرب ، وهذا ما عبر عنه موقف رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري من دعم قوى 14 آذار لرئيس الجمهورية "في وجه الحملات التي يتعرض لها"، واصفاً مواقفه بأنها "وطنية وهو رئيس لجميع اللبنانيين ويحكم بموجب الدستور"، ومعتبراً "أنهم يتهجمون عليه لأن بعض مواقفه لا تعجبهم".
.. والشرعية العربية والدولية
كما تصطدم حملة 8 آذار، بدعم عربي ودولي للرئيس سليمان، يبدو جلياً في زيارات المسؤولين والموفدين العرب والاجانب، سواء الاميركيين أو الفرنسيين، إذ أكدت باريس مؤخراَ بلسان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية اريك شوفاليه "أن باريس تدعم الرئيس اللبناني ومركز الرئاسة في لبنان الذي يشكل حجر الاساس للنظام الديموقراطي في لبنان". وأوضحت "أنها عملت كثيرا للحض على انتخاب رئيس يحظى بأوسع اجماع ممكن… ودعمت اتفاق الدوحة، وهي تعلق أهمية على المؤسسة الرئاسية لأن دورها مهم في الحياة السياسية اللبنانية".
والى الدعم الفرنسي، يبرز الدعم الاميركي، الذي تجسد في الزيارة الاخيرة لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وسيتجسد مجدداً في زيارة نائب الرئيس الاميركي جوزف بايدن لبيروت في نهاية الاسبوع الجاري، ناقلا رسالة من الرئيس الاميركي باراك أوباما الى الرئيس سليمان تتعلق بالتطورات في المنطقة، وتؤكد على الدعم الاميركي لرئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة، استكمالا للرسالة والابعاد التي حملتها كلينتون لبيروت قبل أسابيع.
حوري.. وثقافة 8 آذار في التعطيل
يعتبر عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري، الذي أعلن مبكراً باسم 14 آذار نية انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساًً للبلاد ، "أن هجوم 8 آذار على موقع رئاسة الجمهورية يأتي في إطار خطهم الثابت في محاولة القضاء على الدولة وفكرتها".
ويشير الى "أن 8 آذار بدأ بتعطيل المجلس النيابي، ومحاصرة الحكومة، وحاول تحييد الجيش والقوى الامنية، وسعى الى تشويه سمعة القضاء. وما إن بدأت مؤسسات الدولة الدستورية تستعيد وضعيتها الطبيعية في الحياة السياسية، كمجلس النواب والحكومة والجيش، وكذلك موقع رئاسة الجمهورية، عاد هذا الفريق الى استكمال ثقافة التعطيل ومحاولة القضاء على الدولة، عبر تركيز هجومه على موقع الرئاسة، من منطلق التصويب على الدستور واتفاق الطائف".
ويرى حوري "أن تصويب 8 آذار على رئيس الجمهورية ليس بريئاً، ولم يأت من فراغ، فقد أزعجهم الرئيس سليمان حين استرجع بريق الرئاسة في الداخل والخارج، وأتعبهم حين تصرف كطرف عادل ومحايد في المسيرة السياسية في لبنان، وأقلقهم حين انحاز الى الدستور والممارسات القانونية، والى حق الناس في وطن سيد وحر ومستقل". ويلفت "الى أن كل هذه التوجهات جعلتهم يحسبون ألف حساب لرئيس الجمهورية، خصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في 7 حزيران المقبل".
وإذ يذكر نائب بيروت "بقيام 8 آذار بمحاولات متنقلة للنيل من هيبة الرئاسة، سواء في تظاهرة عوكر، أو في إفراغ طاولة الحوار الوطني من مضمونها"، يشير الى "انه مع إصرار الرئيس سليمان على تطبيق الدستور والقانون، وجد فريق 8 آذار نفسه مضطراً للتصويب المباشر على الرئيس، وسط التقاء واضح ما بين نظرتي الجمهورية الثالثة والمثالثة".
أبو عاصي .. ومعادلة تقييد الرئيس
ومن جهته، يرى أمين عام حزب الوطنيين الاحرار الياس أبو عاصي، والمرشح عن المقعد الماروني في دائرة بعبدا، "أن فريق 8 آذار بدأ القنص بأعيرة خفيفة على رئيس الجمهورية، في سياق تنبيهه الى ضرورة أن يبقى على الحياد، وأن لا يتدخل لإنقاذ مؤسسات الدولة التي عمل هذا الفريق على استهدافها، من خلال نصب الافخاخ في مسيرة الجيش، والتشكيك بولاء الاجهزة الامنية، وتشويه سمعة السلطة القضائية، والتصويب المستمر على رئاسة مجلس الوزراء".
ويشير في حديثه الى "المستقبل" الى "أن منطق 8 آذار السائد، أنه لا يريد أن يقتل الشخص، لكنه يريد أن يقتطع قلبه ودماغه وكبده، أي أن هذا الفريق يدعي أن لا مشكلة مع رئيس الجمهورية، لكن المشكلة في مؤسسات الدولة الاخرى، التي يتم استهدافها في خطة هدم منهجي، في سعي واضح الى الجمهورية الثالثة والمثالثة".
ويلفت الى "أن فريق 8 آذار يريد أن يحكم، سواء فاز في الانتخابات النيابية المقبلة أو لم يفز، ويبدو أنه منزعج من تصريحات الرئيس سليمان حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وتمكسه باتفاق الطائف، في وقت يسعى هذا الفريق الى تكريس تسوية الدوحة، عدا عن كون الرئيس جاء توافقياً بدعم محلي وعربي وعالمي، باعتباره الرجل المناسب لهذه الظروف التي يمر بها لبنان".
ويؤكد ابو عاصي "أن المعادلة اليوم واضحة بالنسبة لفريق 8 آذار، إما أن يكون رئيس الجمهورية بتصرفهم و تحت أمرهم، وإلا ممنوع عليه أن يحكم".