الشعارات شيء والممارسة شيء آخر
الشعارات شيء والممارسة شيء آخر عند بعض القيادات الشعبوية، التي تبني زعاماتها على الديماغوجية تكون الشعارات عندها شيئا، والممارسة شيئا آخر، وهذا النوع من القيادات، عرفه الجنس البشري منذ بدايات الحياة ربما، وعرف عنه انه، بما يملك من موهبة في خلق دائم لشعارات برّاقة، جذّابة، مغرية، قادر على سوق الجماهير حتى الى مسالخ جلودهم، وبطون التاريخ حبلى بأسماء من هذه القيادات التي استطاعت الى فترة من الزمن ان تبهر العديد من الناس بعض الوقت، ولكن الفريق الذي تحصّن بمناعة قوية في وجه شعارات هذه القيادات الساقطة في الممارسة، تمكّن بنسبة كبيرة من تفشيل سعي هذه القيادات الى غشّ كل الناس كل الوقت، ونجاحه في هذه المهمة استند الى محاولة تطبيق الشعارات على الممارسة، فوجد ان الشعارات عند هذه القيادات لا تنطبق ولا في جزء بالمائة على الممارسة الحقيقية.
في تاريخ لبنان الحديث، حاول بعض السياسيين ان يلعبوا هذا الدور الشعبوي، ونجحوا في ذلك الى زمن، ولكن الناس سرعان ما كشفوا ازدواجيتهم فغابوا حتى عن ذاكرة التاريخ، الاّ بداعي الاستشهاد بهم، ولكن هذه الظاهرة عادت مع نشوب الحرب اللبنانية، وبعد انتهائها الى الظهور بقوّة على الساحة السياسية، وبدا ان جيلاً جديداً متطوراً من هذه القيادات تمرّس في مدرسة من سبقه، واضاف اليها من عنديّاته الكثير، فتمكّن، حتى الآن، من استقطاب شعبية كبيرة، بدأت تظهر عليها ملامح الانكماش مع الانكشاف التدريجي لروعة الشعارات وزيف الممارسة، وكل استحقاق يمرّ، وآخر يقبل، هناك رهان على تفتّح بصيرة الناس لتلمّس الممارسة، بعيداً عن البصر الذي لا يرى سوى الظاهر من الشعارات.
* * * * * في الشعارات التي رفعها بعض القيادات، ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، هو انسان وطني بامتياز اثناء تولّيه قيادة الجيش وفي سدّة الرئاسة الاولى، ولكن في الممارسة، ترفع اليافطات، وترتفع الاصوات لتهاجم رئيس الجمهورية وهو خارج البلاد يحاول انتزاع الدعم المعنوي والمادي والسياسي للبنان، ويأتي بعد ذلك من يصرّح انه انتصر على خديعة كانت تدبّر في مجلس الوزراء، او يأتي من يحاول ان يزايد على رئيس البلاد في موضوع وطني هو في صلب اهتمامات الرئيس سليمان ومشاغله، وقد مارس هذا الهمّ في داخل لبنان وخارجه.
من جهة ثانية، تطبّل بعض القيادات وتزمّر، رافعة شعار اعادة الصلاحيات الى رئاسة الجمهورية التي انتزعها منها اتفاق الطائف، ولكن لا يمرّ يوم، الاّ وتوجّه الاتهامات الى رئيس الجمهورية، وتصويره وكأنه طرف وخصم ويعمل ضد فريق معين، في محاولة لتشويه سمعته كرئيس حيادي لا يعمل الاّ ما يؤمّن مصلحة الدولة والشعب، وفي الوقت ذاته يحددون له ما يجب وما لا يجب عليه عمله، والاّ سيقفون ضده ويحاربونه، وهم اصلاً يقفون ضده ويحاربونه، واكبر دليل على ذلك، رفضهم الاسماء التي اقترحها وزير الداخلية زياد بارود لملء الشواغر الضرورية في المحافظات، وتعطيلهم اختيار القضاة الذين سيكملون المجلس الدستوري المؤسسة التي لا غنى عنها لاجراء انتخابات سليمة وصحيحة وحرّة.
ان التناقض الهائل بين الكلام والفعل عند قيادات تعبئة الغرائز، لا يعدّ ولا يحصى، ويمكن تعداد بعضه بسرعة، لانه اصبح على كل شفة ولسان، فهذه القيادات تعلن احترامها للمرجعيات الروحية في ذات الوقت الذي ترجمها وتحقرها وتهينها بأبشع العبارات، وهي مع الدولة، وتحمل معاول الهدم لهدمها مؤسسة وراء مؤسسة، وهي مع الحوار، ولا تجيد سوى التهديد والوعيد والتخوين والتخويف والشتم ونبش القبور، وهي مع التعاون العربي، ولا تترك بلداً عربياً يعتب عليها، وهي تهاجمه وتنتقده وتعطّل مصالح اللبنانيين في هذه الدول، وهي مع الديموقراطية، ولذلك فهي تقطع الطرقات، وتحرق الدواليب، وتحاصر المطار والمرفأ والسراي الحكومي و«تبلّط» في الاملاك العامة والخاصة، وهي ضد الفساد، وتبحّ اصواتها وهي تندد بالفساد والفاسدين الجالسين الى جانبها، ودون ان تأخذ اي تدبير عملي لمحاسبة الفساد والفاسدين.
وهي مع الجيش والقوى الامنية، ولكنها لا تتأخر في الاعتداء على الجيش والقوى الامنية، وهي مع المحكمة الدولية والقضاء اللبناني، ولكنها تشكك بقضاتها وبالقضاء اللبناني، وتحاول المستحيل لعرقلة عملهما.
اكثر ما ينطبق على واقع ما اسلفنا، هو مضمون المثل الشعبي المصري الذي يقول «اسمع كلامك يعجبني، اشوف فعايلك (اعمالك) اتعجّب».
ما هكذا تبنى الاوطان، ولا هكذا تحصّن الدولة وتقوى ويشتد ساعدها، ولا هكذا نقرّب الناس من بعضهما بعضاً، ولا هكذا نترك صيتاً عطراً واثراً حميداً.
لا يسعني في نهاية الكلام سوى ترديد ما قاله احد الرجال الكبار الذين كان لهم صولات وجولات في خدمة لبنان والشعب، ويحظى باحترام الناس ومحبتهم، عندما التقيته وكان غاضباً للدرك الذي وصلت اليه السياسة في لبنان، وانقل ما قاله حرفيا «لعن الله اليوم الذي اخترعوا فيه التلفزيون».
من دون تعليق.