الاستحقاق الانتخابي بين تمجيد الترهيب والرقابة الدولية ودور الدولة
فائض القوة لا يُصرف في صناديق الاقتراع
رسم كلام الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله، في اطلالتيه الأخيرتين، ظلال شك عريضة حول حصول الانتخابات النيابية، وفي تقدير أقلّ، عكس شكاً لديه بفوز المعارضة فيها أو يقيناً بخسارتها، لكنه أيضاً، باستخدامه لغة متوترة، نافرة، تصعيدية استعادت ممارسات سيئة لم ينساها اللبنانيون بعد، ربما أدى الى استنفار انتخابي مضاد في البيئة الاسلامية ـ المسيحية في وجهه ووجه حليفه المسيحي، ضد ما يعتبرونه تحدياً لمشاعرهم وتمجيداً للعار وللخروج عن ثقافة المجتمع اللبناني وقيم العيش المشترك، بما يستلزم الردّ ديموقراطياً في صناديق الاقتراع في 7 حزيران.
والواقع أن هذه المواقف تفترض تأكيداً مضاعفاً من الأطراف الداخلية على أهمية التمسك بانجاز الاستحقاق في موعده الدستوري، خصوصاً وأن لبنان ومعه المجتمع الدولي "أصرّ" على اجراء الانتخابات في العام 2005 في موعدها بالرغم مما أصاب البلد آنذاك جراء الجريمة الارهابية التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكنها أيضاً تزيد من أهمية تعزيز عمليات المراقبة للانتخابات التي ستقوم بها جهات ومؤسسات دولية وعربية ومدنية محلية ضماناً لأعلى نسبة من الشفافية والحيادية والتزام معاييرالنزاهة والديموقراطية.
مشهد اقليمي مرتبك
وإذا كان كلام نصر الله يحيل الى إحدى فرضيتين، فإما أنه متيقن من أن فريق 8 آذار لن يحقق الغالبية النيابية، وبالتالي فان خطابه الذي انطوى على تهديدات صريحة، يهدف الى الضغط على الناخبين بما يقلص من مشاركتهم ترهيباً وتخويفاً أو بوضع العملية الانتخابية برمتها في دائرة المخاطر بما يؤدي الى تطييرها. فإن ثمة من يرى فيه انعكاسات للمشهد الاقليمي المرتبك وتطوراته المرتقبة، ويقرأ فيه رسائل استباقية لأكثر من جهة، إذ إن كلاماً كثيراً يتردد حول حوار محتمل بين الولايات المتحدة الأميركية وكل من سوريا وإيران مطلع الصيف المقبل، وكذلك معاودة المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية المباشرة برعاية طرف ثالث، لكن الأهم من كل ذلك، هو الأهمية الاستثنائية التي تكتسبها زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الى مصر والتي يتوقع أن تطلق دينامية جديدة لعملية السلام في الشرق الأوسط على قاعدة حل الدولتين، وهي مبادرة تسعى الى إشراك أطراف عربية ودولية في إخراجها لكنها لا تشمل إيران بما يعنيه هذا الأمر من رسائل وبما يحمله من تداعيات فلسطينياً ولبنانياً.
وغير بعيد عن ذلك، يمكن فهم "الاستماتة" السورية لامتلاك أوراق لبنانية مجدداً عبر دعم حلفاء لها في الانتخابات، بل والتدخل بطرق وأساليب عدة لدعم هؤلاء، وهو ما كان كشفه عدد من السياسيين خلال الاسبوع الفائت، وهو ما تطمح دمشق اليه عشية التطورات المرتقبة بما يسمح لها بهوامش مناورة أوسع.
الاهتمام الدولي: الانتخابات موعداً وظروفاً
على ان الاهتمام الدولي والمحلي لا ينصبّ على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر فحسب، بل أيضاً على السعي إلى تأمين أفضل ظروف لوجستية وأمنية لحصولها بعيداً عن الضغوط المعنوية والمادية، وهو التوجه الذي تؤيده قوى 14 آذار فيما تجاهر قوى 8 آذار وفي طليعتها "حزب الله" بتمجيد تجربة الاستقواء بالسلاح في الداخل وعليه، والتلويح بإعادة هذه الخطيئة مرة جديدة، مع ما يترتب على هذا المنحى التهديدي من إحجام بعض الناس عن المشاركة في الاستحقاق خصوصاً في مناطق ذات سيطرة طائفية او سياسية معينة بحيث تبدو الرقابة الدولية والمحلية شرطاً ضرورياً لما تشكله من عامل اطمئنان وثقة وأيضاً عامل ردع خلال الانتخابات وبعدها.
وعلى قاعدة أن الكلام التهديدي يضع كل الاحتمالات في الاعتبار، أو لا يسقطها، خصوصاً وأن الضمانات او التطمينات بعدم اللجوء الى السلاح لم تعد كافية، فإن الأطراف المهتمة بانجاز استحقاق انتخابي بعيد عن كل الممارسات التي تسيء الى ديموقراطية الانتخابات وحرية ممارستها من الجميع، تسعى الى متابعة ورصد حيثيات العملية الانتخابية لتسجيل أي شوائب قد تتخللها على الصعد الأمنية أو السياسية ليتحمل كل طرف سياسي مسؤوليته محلياً وأمام المجتمعين العربي والدولي.
وفي تقدير الأطراف الدولية الساعية الى مراقبة الانتخابات، أميركية وأوروبية، فإن هذه المسألة مهمة جداً بالنسبة الى المجتمع الدولي لاعتقاده ان الرقابة الدولية تضمن ديموقراطية العملية الانتخابية وشفافيتها بعيدا من التأثيرات المتعددة، وهي قيم ومعايير يحتاجها لبنان، خصوصا اذا كانت تؤمن الضمانات وعوامل الاطمئنان التي يمكن ان تدرج الانتخابات ونتائجها في الاطار الديموقراطي وإعادة انتظام عمل المؤسسات في لبنان.
استطلاعات الرأي والحرب النفسية
وإذا كانت استطلاعات الرأي التي يجري ضخها يومياً جازمة بأن الأكثرية النيابية باتت بيد طرف سياسي معين، وآخرها تأكيد الامر من جانب نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم على نحو لا يقبل الجدل أو النقاش أو حتى ترك مجال للاحتمال، فإن المتابعين لهذا الشأن لا يولون هذا الأمر أي أهمية بل يعتبرونه جزءاً من الحرب النفسية التي يمارسها طرف سياسي على خصومه أو رفعاً لمعنويات حلفائه، ويؤكدون أن القول الفصل لا تحسمه إلا الانتخابات نفسها، أي ما ستفرزه صناديق الاقتراع مساء يوم السابع من حزيران، وبالتالي فان عمليات الرقابة الميدانية للانتخابات ستكون كفيلة بتأمين نزاهتها وضمان حصولها من دون ترهيب او تخويف، لكنها أيضاً ستعطيها شرعية خارجية ضرورية.
لكن كل ذلك، لا يلغي ولن يلغي مسؤولية الحكومة في الاسراع في استكمال تعيين أعضاء المجلس الدستوري قبل الانتخابات وبعد تجاوز العراقيل التي تضعها "المعارضة" أمام انجاز هذا الأمر، لما له من أهمية استثنائية على أكثر من مستوى بالنسبة للاستحقاق الانتخابي تفوق في أهميتها موضوع الرقابة وتتوازى معه.