بيروت الثانية: دائرة التوافق.. والابتزاز!
التقسيمات الانتخابية في بيروت، كانت واحدة من أكبر العقد التي استلزم حلها الكثير من الجهد في اتفاق الدوحة. قضى الاتفاق المذكور بتقسيم بيروت إلى ثلاث دوائر، على أن تضم إحدى هذه الدوائر مناطق الباشورة والمدور والمرفأ، وتكون توافقية، بحيث يسمي فريق الرابع عشر من آذار مرشحيه الاثنين (سني وأرمني) ويسمي فريق الثامن من آذار مرشحيه الاثنين (شيعي وأرمني) دون أن يكون لأي من الفريقين حق الاعتراض على تسمية المرشح الذي يسميه الطرف الآخر.
اتفاق بلا آليات تطبيقية
بناءً لـ"اتفاق الشرف" المعقود في الدوحة بشأن دائرة بيروت الثانية سمى "تيار المستقبل" الزميل نهاد المشنوق عن المقعد السني، وسمى "حزب الله" أمين شري عن المقعد الشيعي، وسمت "حركة أمل" هاني قبيسي عن المقعد نفسه، ثم ما لبث ان انسحب شري في محاولة لحل عقدة جزين بين العماد ميشال عون والرئيس نبيه بري، تاركاً المقعد لـ"حركة أمل" (علماً أن عقدة جزين لم تحل بالرغم من تنازل "حزب الله" لصالح "أمل"). أما بخصوص المقعدين الأرمنيين فقد سمى حزب الطاشناق (8 آذار) أرتور نازاريان، وسمى حزب الهانشاك (14 آذار) سيبوه كالباكيان، وقد فاز كلاهما بالتزكية.
وكما كان متوقعاً فقد بقيت عقدة المقعدين السني والشيعي، نظراً إلى أن اتفاق الدوحة لا يتضمن آلية فوز بالتزكية. وفي "اجتهاد" لإيجاد آلية حل سحب "تيار المستقبل" مرشحه عن المقعد الشيعي عباس ياغي، ودعا فريق الثامن من آذار لسحب عدنان عرقجي عن المقعد السني، لكن عرقجي رفض الانسحاب… بلا ثمن!.
في 12 أيار الجاري زار رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري عين التينة للتباحث مع الرئيس بري في آلية تنفيذ ما اتفق عليه في الدوحة. تراوحت الآلية المقترحة لتنفيذ اتفاق الدوحة بين التوافق على ماكينة انتخابية موحدة ولائحة مشتركة بين "المستقبل" و"أمل" يلتزم بها "حزب الله" أيضاً، وتضم هاني قبيسي ونهاد المشنوق، وبين "التزام شرف" تذهب بموجبه أصوات كل من "تيار المستقبل"، والثنائي الشيعي "أمل" و"حزب الله" إلى المرشحين المذكورين، كل على حدة.
وعلى الرغم من التصعيد الانتخابي الجاري حالياً، لا سيما بعد كلام السيد حسن نصر الله الأخير، فإن أجواء الماكينة الانتخابية لـ "المستقبل" و"أمل" تبدو جيدة، غير أن وجود عرقجي على الساحة يبقى عنصراً مثيراً للقلق لأن الرجل معروف بعدائه للنائب سعد الحريري، وبأنه يتلقى دعماً مادياً معنوياً من "حزب الله"، سيما أن جمهور الحزب المذكور ممتعض من خسارته المقعد لصالح "أمل" بلا مقابل، فضلاً عن عدم ارتياحه للمرشح القبيسي، باعتباره "من رموز حرب الإخوة بين أمل وحزب الله في العام 1988".
ابتزاز!
هنا يكمن ابتزاز النائب السابق عدنان عرقجي، الذي يستفيد من هذا الواقع ويطالب كعادته "بثمن" للانسحاب، يـُقيل به تعثره المالي، زيادة على الدعم الذي يتلقاه من "حزب الله" منذ أن صار جزءاً من فريق الثامن من آذار.
بطبيعة الحال يراهن عرقجي على الأصوات غير الملتزمة بتفاهم الدوحة، مهوّلاً بإسقاط مرشح "تيار المستقبل"، بأصوات الشيعة والمسيحيين، أو يقبض الثمن، وهو كبير جداً هذه المرة!.
أول من أمس أكد عرقجي أنه سيواصل معركته الانتخابية حتى الفوز، ما يطرح علامات استفهام حول دور "حزب الله" تحديداً في احترام اتفاق الدوحة في هذه الدائرة، إذ من المعروف أن عرقجي استفاد كثيراً من "المال النظيف"، بعد حرب تموز، بدعوى أنه يملك حيثية شعبية في الشارع السني وأنه يريد الحفاظ عليها!.
وفوق ذلك فإن الرجل كان إحدى الودائع السورية "الإجبارية" في لوائح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأن اسمه وارد في فضيحة بنك المدينة، وأنه كان وثيق الصلة برستم غزالة، وأنه شن حملة قاسية على "تيار المستقبل" بعد رفض النائب سعد الحريري ضمه إلى اللوائح الانتخابية في العام 2005، وأنه "بالغ" في تقديم الخدمات لمن يدفع له، بما جعله يتطاول على مقام رئاسة الحكومة، ومقام مفتي الجمهورية، بأقذع العبارات، حتى أنه وصف المفتي قباني بـ "صانع الفتن"، وأنه اعتبر باسم "الاتحاد البيروتي" في السابع من أيار أن سعد الحريري لا يمثل إلا نفسه، وأنه دعا في تشرين الأول من العام الماضي إلى مقاطعة دعوة النائب الحريري حضور افتتاح مسجد محمد الأمين بـ"فتوى" أصدرها، قال فيها: "إن هذه الدعوة إساءة كبيرة إلى تعاليم القرآن الكريم لجهة أن الصلاة من يوم الجمعة لا تحتاج إلى دعوة من قبل أحد"!.
الأصل أن اتفاق الدوحة محمي بضمانات "أخلاقية" محلية، والتزامات سياسية عربية وإقليمية، وأن الاتفاق في دائرة بيروت الثانية ماضٍ في طريق التنفيذ، لكن أي اتفاق يحمي الناس من المتاجرين باسم تمثيلهم… الذين لا يملكون من الضمير إلا اسمه؟!.