#dfp #adsense

8 اذار: سياسة اللاوعي الجماعي

حجم الخط

8 اذار: سياسة اللاوعي الجماعي
المحامي جورج ابو صعب

يقول المفكر والفيلسوف "شوبنهاور "SCHOPENHAUER: ان دوافعنا الواعية ليست سوى واجهة تخبئ دوافعنا اللاوعية وان الكبت بوساطة العقل يشكل اساسا لامراض النفس…

فعلى مسافة اسبوعين من الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل وفي تحليل سياسي مختصر لمواقف وسياسات قوى 8 اذار الاخيرة، كي لا نعود كثيرا الى الوراء، نستحضر فكر هذا الفيلسوف الذي كان من بين العلماء الذين تأثر بهم عالم النفس الشهير فرويد، كي نلخص ما امكن وفي عجالة علمية ما هي عليه اليوم مواقف قوى 8 اذار ولا سيما القوى الاساسية فيها.

فما يحرك اليوم مواقف هذه القوى بات ينبع من غرائز القوة والعنف والرفضية والسلبية والعدوانية، حتى باتت نقاط الارتكاز لديها شبه غائبة عن الوجود، فيما تتجلى في الخطب والمواقف والتصاريح الثورات والفورات وكأننا في الساعات الاخيرة من نهاية العالم حيث كل يصرخ باعلى صوته هربا من خوف دفين او قلق قاتل. وقد تحولت المواقف المعلنة من تلك القوى الى تنافس على اكبر قدر ممكن من اللامسؤولية واللاوعي حيث لا وزن لمضاعفات الكلام ولا وزن للاثار المدمرة التي تتركها الخطب والمواقف الهدامة، في وقت أحوج ما يكون اللبنانيون فيه الى تغليب منطق العقل ومنطق المسؤولية على ما عداها من نزوات وهفوات… وغرائز.

1- فقوى 8 اذار والتي كانت تسمى بالمعارضة اصبحت منذ اتفاق الدوحة جزءا لا يتجزأ من الحكم من خلال مشاركتها في الحكومة المفترض ان تكون حكومة وحدة وطنية، ومع ذلك تتهجم على الحكومة والدولة الى الان ولا يوفر رموزها البارزين اي مناسبة من دون الانقضاض بالشتائم والسباب على الحكومة ورئيسها، كافرين بكل شيء حتى بما هم عليه انفسهم مشاركون .

فهذه اولى علامات اللاوعي السياسي لدى تلك القوى، ولكن المشكلة ان حاكم قراقوش العظيم تقمص في زعماء تلك المعارضة لدرجة انه لم يعد بامكانهم تحمل انتقاد او نقد او ملاحظة. وبالامس احد تلاميذهم وامام ملايين المشاهدين الشهود من على احدى الشاشات فقد صوابه واعصابه وانهال على زميله المرشح الخصم
بالتهديد والوعيد على خلفية اختلاف في وجهات النظر والرؤية الى الوطن والمستقبل.

2- ثاني علامات اللاوعي السياسي لدى فريق 8 اذار هذا الهجوم الكبير والمفاجئ على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والذي تحول الى برمجة ببغائية لبعض رموز تلك المعارضة في مواقفهم الاخيرة منه. لان الرئيس تجرأ على طلب اللجوء الى استعمال حق دستوري معطى للسلطة الاجرائية اي مجلس الوزراء بموجب الفقرة (5) من المادة (65) من الدستور بالتصويت في حال تعذر اتخاذ قرارات بالتوافق. فقامت القيامة ولم تقعد الى الان واصبح الرئيس غير توافقي وغير ميثاقي واصبح يحكى في الهمس والعلن من هنا وهناك بتقصير الولاية واحيانا تطرح نظريات بعدم دستوريته الى ما هنالك من اقوال ومواقف ان عبرت عن شيء فعن مدى انتقال المعارضة الى حالة مرضية جد حساسة من اللاوعي الشعوري واللاادراك الذي يتحول معه المرء الى حالة هستيرية في حال المعاكسة او المناقضة.

ولعل ما يعبر اكثر عن حالة اللاوعي موقف العماد عون الداعم والمشارك في هذه الحملة على الرئيس، وهو الذي تحدى الجميع قبل الدوحة وبعدها بانه الحريص على اعادة الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية، واقام حملته الشهيرة بهذا الصدد، فاذا بحالة اللاوعي لديه تجره الى مشاركة الحلفاء في هجمتهم الضروس على الرئيس والذي لم يستعمل حقا خاصا به بل خاص بمجلس الوزراء مجتمعا… فكيف لو تصرف الرئيس في امر او صلاحية من تلك التي يملكها دستوريا لوحده؟

3- وتتتابع فصول اللاوعي السياسي لدى قوى 8 اذار: فبعد ان كان اتفاق الدوحة اساسا ومرجعية لديهم الى حد مطابقته ومصاهرته مع اتفاق الطائف (مع ان المقارنة لا تصح ابدا بين الاتفاقيتين) عاد السيد حسن نصرالله في خطابه الشهير منذ ايام بلهجة اعلنت لوحدها من دون كلام سقوط هذا الاتفاق (اي اتفاق الدوحة) لانه سماحة السيد عاد الى التهديد بالسلاح وب 7 ايار اخر كما وعاد الى الوعيد بتصفية الحسابات بالعنف والقوة وصولا به الى نقض اسس صيغة لبنان والعيش المشترك بادعائه امكانية حكم لبنان كله بمفرده كون حزب الله اكبر من لبنان وبامكان حزبه حكم بلد اكبر من لبنان بمئة مرة، وهذه المرة لا احد يستطيع الحديث عن ذلة لسان لديه.

ولعل اكثر تجليات هذا اللاوعي السياسي في المواقف هي في ان الكلام الذي يطلق على هوانه في الخطب والمناسبات الانتخابية هذه الايام لا يراعي لا مشاعر الناس ولا حساسيات الناس ولا خصوصيات الناس ولا الارادات الطيبة ولا اعتبارات العيش المشترك وقد اصبح هذا الكلام غير ميثاقي بدوره لمخالفته مقتضيات هذا العيش المشترك: فمن يريد العيش مع الاخر والمشاركة في الحكم مع الاخر لا يسلط عليه سيف التهديد والوعيد واللعب على النعرات المناطقية والفئوية والطائفية والمذهبية بالشكل المريع الذي يحصل اليوم. وكأن اقطاب 8 اذار قرروا في السر والعلن الاستغناء عن نصف لبنان الاخر وقطع الجسور بين الناس والمسؤولين لابل بين فريق كبير من اللبنانين ووطنهم لبنان.

4- وتتجلى ايضا حالة اللاوعي السياسي لدى فريق 8 اذار في وصوله الى حد يطالب فيه بتعديل اتفاق الطائف، ليس دفاعا عن الاتفاق كاتفاق، فهو بالنهاية غير منزل، ولكن حماية لمصداقية طرح تعديله الذي نرجوه بريئا وصادقا وفي مصلحة لبنان كله، فبين مواقف العماد عون من رئيس الجمهورية ومواقف السيد حسن نصرالله من الفريق الاخر وتهديده بالاستغناء عنه وحكم لبنان منفردا، نسأل عن حقيقة ما يراد من هذا الطرح بتعديل اتفاق الطائف الذي اصبح دستورا للبنان واطلق الجمهورية الثالثة ( وليس الثانية كما يظن البعض خطأ) .

فهنا ايضا لا يقوم فريق 8 اذار المبادر الى طرح التعديل بطمأنة الفريق اللبناني الشريك في الوطن الى حقيقة النوايا التي تقف وراء المطالبة بالتعديل، خاصة وان اتفاق الدوحة الذي حرصت عليه المعارضة وقدسته سقط وتهاوى في خطاب السيد حسن منذ ايام فكيف باتفاق الطائف الذي للمعارضة والعماد عون عليه ملاحظات اساسية؟

فهنا ايضا يظهر اللاوعي السياسي لدى المعارضة ويظهر اكثر فاكثر التناقض في المواقف كي لا نقول الغموض في احسن الاحوال، فالبلاد لا تدار باسلوب الباطنية واخفاء الحقائق عن الاخر واللعب على الغرائز والمزاجيات. فالوطن ملك الجميع وليس فقط ملكا لقوى 8 اذار وبالتالي على هذه القوى ان تقتنع بما يلي:

أ- لا يمكن بعد اليوم التفرد في تحديد مصير البلاد وسياسيات الدولة.

ب- ولا يمكن بعد اليوم اللعب على التناقضات والغموض في المواقف والنوايا:

فالمعارضة تعارض والموالاة توالي انما كانت المعارضة وانما كانت الموالاة، ولكن مع الحفاظ من كل طرف على الطرف الاخر واحترامه وتمكينه من ممارسة دوره على الوجه الاكمل.

ج- لا مجال بعد اليوم للسماح للمزاجيات والاهواء من التحكم في استبعاد الدستور وقواعد الدستور عن حياة الدولة والمؤسسات، فقوى 8 اذار امتازت منذ اربع سنوات باحتقارها لكل ما هو دستور ونظام ومؤسسات شرعية وهي لم تعطي اية

اهمية للدستور والمؤسسات الشرعية الا عندما احتاجت اليها كشماعة تردد من خلالها مطالبتها المشكوك بها بالمشاركة في القرار. حتى عندما شاركت عطلت وتعطلت البلاد من داخل المؤسسات الدستورية في لعبة اسقاط للدولة من الداخل خطيرة ومهلكة للجميع.

د- فما هو اخطر من المزاجية والغموض الانتقائية في ادارة الشأن العام وفي تسيير شؤون الدولة والعباد، فيكون الامر دستوريا بقدر ما يستجيب مع متطلبات المعارضة ويصبح غير دستوري بقدر ما يبتعد عن تلبية طموحات المعارضة.

حتى ان المفاهيم مغلوطة لديهم: فالرئيس التوافقي عندهم هو الرئيس الذي تشل حركته لانه لا يجب عليه اغضاب احد، خاصة في بلد كلبنان، حيث التناقضات والاختلافات من سننه الطبيعية منذ خلقه. واذا استعمل حق من حقوق الدستور اتهم واسقطت عنه الشرعية والميثاقية، بينما استعمال المعارضة للثلث المعطل في جلسة التعيينات (وهي قاعدة غير دستورية اساسا لان المادة (65) من الدستور تشير الى نصاب الثلثين لصحة القرارات الكبرى فلا الثلث المعطل ملحوظ دستوريا ولا عدل الدستور بعد اتفاق الدوحة لاعتماد الثلث المعطل اساسا للحكم) فهو امر شرعي ودستوري وميثاقي مع انه يتكلم عن تصويت وثلث معطل فلا شيء في هذا الثلث المعطل ميثاقي وشرعي.

فالدوافع الواعية للمعارضة تتصارع مع دوافعها اللاوعية: ففي دوافعها الواعية تتكلم المعارضة عن تغيير واصلاح وتطوير ولكن في الدوافع اللاوعية تسعى المعارضة بكل بساطة الى اعادة كتابة لبنان جديد على قياس مصالح فئوية واقليمية مشبوهة وصراعات محاور دولية ولو كلف ذلك اسقاط النظام في لبنان بالقوة، لا بل بقوة التسلط وسلاح القوة .

يقول الفيلسوف والمفكر الالماني نيتشه NIETZSCHE ان القيم الاخلاقية تصدر غالبا عن غرائز انانية عدوانية وان الانسان هو الكائن الابعد عن ذاته وليس الاقرب عن ذاته كما يتوهم …

فكيف اذا كان الانسان في المعارضة قد بلغ حد الغربة ليست فقط عن ذاته بل عن وطنه وتاريخه واصالته… هذا هو اللاوعي الجماعي في 8 اذار اليوم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل