#adsense

“ناظم” الهدنة والاختلال!

حجم الخط

"ناظم" الهدنة والاختلال!

تكتسب قراءة "اتفاق الدوحة" في الذكرى السنوية الاولى لولادته بُعدا مختلفا في الشكل والمضمون عن تلك التي أملت النظر اليه في ظروف الولادة القسرية والقيصرية عقب انفجار 7 أيار الدموي العام الماضي، اذ إنه مهما تصارعت المفاهيم السياسية المتصادمة لهذا الاتفاق، لا تقل اللحظة الصراعية الراهنة، في ذكرى وضع هذا الاتفاق وعلى مشارف نفاد مفاعيله الانتقالية كما هو مفترض بعد أسبوعين فقط، عن لحظة ابرامه احتداما في الصراع وليس رجوعا الى منطق التسوية.

تدلل السنة التي "عاشها" هذا الاتفاق بما لا يقبل جدلا انه كان هدنة قتالية وفق مبدأ اختلال ميزان القوى اختلالا عميقا لمصلحة السلاح المتفوق بما نجم عنه إحداث عرف وسابقة في التجارب الدستورية والمؤسساتية بنقل "الثلث المعطل" وسلاحه من الشارع الى السلطة التنفيذية. كانت تلك "الفدية" الباهظة التي تم فرضها في مقابل ملء الفراغ الرئاسي، بدليل ان الانتخاب العربي والدولي المسبق للعماد ميشال سليمان لم ير النور الا بعد تثقيل الرئيس المنتخب بشروط تقييدية صارمة ظهرت مفاعيلها العميقة في اللحظة الانتخابية الراهنة. فقوى المعارضة لا تنبري لتقييد الرئيس من فراغ، بل تستند الى فلسفتها الخاصة باتفاق الدوحة وهي ان الصفة "التوافقية" للرئيس تملي عليه على الاقل بين موعد انتخابه وموعد الانتخابات النيابية ألا يكون لاعبا سياسيا بين اللاعبين أسوة بكل من سبقوه الى سدة الرئاسة، بل مجرد "ناظم" للهدنة السياسية والأمنية الى حين حسم الخيار الانتخابي.

في ضوء ذلك يمكن فهم الخطوط الحمر التي حددت له وحملات المحاصرة التي فرضت عليه لمنعه من "مدّ يده" الى المناطق المسيحية التي تدور فيها وعليها معركة الحسم الوحيدة في الاستحقاق الانتخابي، وهو حصار لم يقتصر فرضه على اللاعبين المعارضين في الداخل كما يتبدى، بل يحظى على ما يبدو برعاية "رباعية" من بعض رعاة اتفاق الدوحة الدوليين والاقليميين، أي قطر وسوريا وفرنسا وايران تحديدا. وكما في الانتخابات كذلك في السلطة، كانت الرسالة الفصيحة في آخر جلسات مجلس الوزراء: “كنْ رئيسا وكفى" لمجرد ان الرئيس استعمل حقه الدستوري الطبيعي في طرح التعيينات على التصويت. معنى ذلك أن أوان العودة الى "الطائف" لم يحن بعد، وأن "الدوحة" هو الناظم الواقعي القسري الجاري تنفيذه حتى الانتخابات على الأقل، وبعدها لكل حادث حديث تبعا لميزان القوى الجديد.

هذه القراءة لا تتوقف بأبعادها المتأنية بعد سنة من "الدوحة" عند المفاعيل القسرية للثلث المعطل داخل السلطة التنفيذية ومشتقاتها من تمددات طاولت مختلف قطاعات الدولة، بل تتجاوزها الى الأثر الاخطر لتشريع التوظيف السياسي و"الدستوري" لعمل مسلح من داخل ضد داخل آخر. ذلك الاتفاق أرسى هدنة أمر قاهر كرّس في النهاية واقع اختلال ميزان القوى لمصلحة من يملك وحده السلاح من دون سائر الافرقاء المحليين. ولم يكن الامر يتصل بمواجهة اسرائيل، وإلا لاكتسب الاتفاق مشروعيته وشرعيته الكاملتين أسوة بـ"تفاهم نيسان" الذي كان الرئيس رفيق الحريري عرابه. ولكنه اتصل بانحراف هذا السلاح الى الداخل، وإن تحت وطأة الانتقام لقرار سلطوي عُدَّ خاطئاً و"متآمرا". ذلك القرار حتى ضمن مفاهيم الخطأ، لم يكن ذا قدرة او سطوة بالمقدار الذي يستوجب عملا مسلحا بلغت مفاعيله حدود تهديد البلاد بانفجار فتنة لا تبقي ولا تذر. ومع ذلك فان تشريع المفعول السياسي والسلطوي لـ7 ايار 2008 دلَّل على بداية تحول لدى قوى اقليمية ودولية تقاطعت مصالحها عند دعم هذا التشريع. اذا لم يعد لدى المناهضين الرئيسيين في المعارضة لاتفاق الطائف الورقة المحببة التي طالما رفعوها في تبرير مناهضته، لأنهم أفادوا في الدوحة من ظروف مشابهة تماما. فقبل 19 عاما تقاطعت المصالح الكبرى على احتواء الحرب، وبعدها بـ19 عاما تقاطعت مصالح محور دولي اقليمي على دعم المناهضين أنفسهم. ولكن منذ اتفاق الدوحة ساد "خطأ شائع" لم يوفر مفاهيم المتضررين منه أنفسهم، إذ يقال ان ثمة "توازنا" في القوى يذهب عبره لبنان الى الانتخابات، فيما الامر مجاف تماما للواقع. ومع الدوحة وبعده كان ثمة تشريع لاختلال ميزان القوى بفعل الامتلاك الأحادي للسلاح. بطبيعة الحال السلاح لا يقترع، لكن من يمتلكه بصفة أحادية ومشرعة يدحض على الاقل هذا الخطأ الشائع ولن يتوانى عن ذروة توظيفه، في الآتي من بقايا "المرحلة الانتقالية".

المصدر:
النهار

خبر عاجل