امتحان اليوم الطويل
ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.
وليس بالتعطيل وحده يحيا لبنان. وليس بالشتائم والتهديدات وحدها تحيا الانتخابات النيابيّة، وليس بالتعرضُّ لمقام الرئاسة والرئيس تحيا المعارضة. وليس بعرقلة أعمال مجلس الوزراء والتعيينات الاداريَّة واكمال المجلس الدستوري تصير الأقليَّة أكثرية.
المثل يقول لكل امرئ من دهره ما تعودا.
وللديموقراطية البرلمانية، وإن تكن تُساق على الطريقة اللبنانيّة وتمشي أحياناً على رجل واحدة، عادات وتقاليد وأعراف وأصول قد يجهل معظمها أو بعضها أولئك الذين صاروا فجأة من القيادات والمرجعيَّات … ومن المتحدٍّثين بتلعثمِ فاضح أمام الصحافة والتلفزيونات.
وللبنان ابناء واشقاء واصدقاء اعتادوا أن يلبوا النداء عجالاً.
ما علينا. من الطبيعي والبديهي ان يبلغ التنافس الانتخابي حدوداً غير مسبوقة، وأن يسمع اللبنانيون، ويشنفوا آذانهم، كلاماً لم يعتادوا مثله يوم كانت الفصاحة ترفع رأسها في قاعة جلسات مجلس النواب، وأن يشاهدوا سجالات متلفزة هي أقرب الى حفلات تحليش النساء عندما يختلف أهل الحارة.
فلبنان الزمن الراقي الجميل المحلٍّق المبدع قد ابتلعته حروب الآخرين، وقضت على ما بقي من نتفه وآثاره الحقبة التي تلت خروج الوصاية من لبنان وفلتان الملق، وفلتان "تقاليد" وأساليب في الحياة السياسيَّة غريبة عن المألوف اللبناني، وبعيدة كل البعد عن الأدبيات السياسيَّة حتى في حدها الأدنى.
والمرء يجود من الموجود.
وما على اللبنانيّين الا أن يتعاملوا مع ما تجود به الأفواج المتزاحمة التي أفرزتها الحروب وما رافقها، وولَّتها مستجدّات الأمر الواقع على الناس، ووضعت بين أيديها مصير البلد والنظام والمؤسّسات والقانون، وكل ما يدب فوق العشرة آلاف واربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً.
إلا إنه على رغم هذه المتغيّرات التي شوَّهت ذلك اللبنان المميَّز، وعلى رغم تأثير سلبيات هذا السلوك الأعوج والممجوج على كل شيء، حتى على وعي الناس ومداركهم وأذواقهم وتوجهاتهم، تبقى الانتخابات الحاليَّة متمنطقة بصفة المصيريَّة… الى ما يُقال من تفصيلات وتسميات وتبريرات في هذا الصدد، وما يتحدثون عنه بصدد مشاريع انقلابية وتعطيلية وتغييريّة.
لقد كُتب على السابع من حزيران 2009 أن يكون مختلفاً عن باقي أيام السنة.
مثلما كُتب عليه ان يكون نهاية مرحلة وبداية مرحلة سياسيَّة ولبنانية شاملة، أو ان يكون بداية فصل جديد في مسلسل الجلجلة اللبنانيَّة، فترجع حليمة الى عادتها القديمة، ويرجع المعطلون الى سياسة الزواريب والشوارع والساحات.
والى ما لا يزال ماثلاً في أذهان الناس وذاكراتهم.
هنا بالذات، عند هذا المنعطف، عند هذا المحذور، تكمن أهمية النتائج التي سيسفر عنها امتحان اليوم الطويل.
وهنا أيضاً بيت القصيد، وبيت الداء، وبيت "المشروع المضاد" الذي كثر التلويح به في الخطب الصاخبة والتصريحات التي تعجّ بالتوتُّر والنرفزة…